اقتصر ذكر اسم جائزة نوبل والمصريين على الأديب نجيب محفوظ وعالم الكيمياء أحمد زويل والرئيس الراحل السادات والدبلوماسي محمد البرادعي.

بخلاف هؤلاء الأربعة، فإن مصر لعبت دورًا جانبيًا في ترشيح عددٍ من العلماء لجائزة نوبل، بعدما استفادوا من وجودهم في مصر لحصد خبراتٍ وللقيام بتجارب أهّلتهم للترشيح إلى الجائزة الدولية الرفيعة.

إيبرس: بردية مصرية قادت باسيني للعالمية

لا تستغرق جراحة الفتق الإربي أكثر من ساعة في غرفة العمليات، ليخرج الشخص كأنه لم يتعرض من قبل لوجود نتوء غير طبيعي داخل أحشائه، لكن حتى أواخر القرن التاسع عشر ظل «الفتق الإربي» مرضًا قاتلًا.

وبحسب كتاب «الطب من الموت الأسود إلى المرض الفرنسي»، الذي كتبه «مايكل آر ماكفو» (Michael R. McVaugh)، وتعرّض فيه لعلاج الفتق في العصور الوسطى، ونقل وصفًا أوروبيًّا عن المرض بأنه «جن يحاول الخروج من البطن».

تعددت المحاولات لعلاجه على مر العصور، بدءًا من دراسة «جالينوس» في أوروبا في العصور الوسطى للعلاج، ثم دراسات «أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي» الذي استعان بدراسته لاحقًا الجراح الفرنسي «جاي دو تشولياك» (Guy de Chauliac) خلال النصف الأول من القرن الرابع عشر، ثم استمرت المحاولات مع الجراح الفرنسي «أمبرواز باري – Ambroise ParÉ» في عصر النهضة وذكرها في كتابه «الدفاع والرسالة- The Apologie and Treatise».

كانت الأساليب الجراحية محدودة بسبب عدم فهم علم التشريح حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، الذي يُطلق عليه أحيانًا «عصر التشريح» (The Age of Dissection).

قبل هذه المحاولة، حاول عديد من الجراحين المشهورين القيام بجهودٍ لعلاج ذلك المرض، بما في ذلك «جون هانتر» (John Hunter) عام 1790، والجراح الإنجليزي «السير أستلي كوبر» (Sir Astley Cooper)، لكن جميعها كانت تعرض حياة المريض للخطر.

وفي عام 1882 توصل جراح إيطالي يدعى «إدواردو باسيني» إلى العلاج الجذري لهذا المرض، مستلهمًا الطريقة من بردية مصرية قديمة أخضعها للدراسة والتجارب طيلة 15 عامًا.

بدايته مع دراسة الطب حينما شارك، رغمًا عنه، كجندي في حرب توحيد إيطاليا، فأصيب بجرح كبير في الفخذ، رغم خطورته وألمه الشديد، فإن هذه الإصابة ألهمته لدراسة التشريح.

استمرت المحاولات منذ ستينيات القرن التاسع عشر، محاولا في كل مرة إيجاد حل لعلاج الفتق الإربي، بعدما أثار هذا المرض اهتمامه خلال عمله كطبيب في «بافيا»، واكتشف أن الأساليب الموجودة قاصرة عن شفاء المرضى منه.

بدأ في رحلته لدراسة التشريح حول العالم، بين برلين، فيينا، لندن، فرنسا، لكن كل دراسات الأطباء في العصر الحديث لم تتوصل أيضًا لعلاج الفتق الإربي.

فكر إدواردو باسيني في دراسة الفتق بشكل مختلف، لمعرفة إذا كان مرضًا حديثًا أم من العصور القديمة، وبحسب دراسة «تاريخ جراحة الفتق الإربي» بقلم الدكتورين إدوارد فيليكس وتايلر روس، فلقد اطلع باسيني على بردية «إيبرس» في ألمانيا، وهي من أوائل البرديات الطبية المصرية، تم العثور عليها عام 1873، اشتراها عالم المصريات الألماني جورج إيبرس وحُفظت في مكتبة جامعة «لايزبيج» بألمانيا.

كشفت البردية المكونة من 110 صفحات، كيفية إجراء جراحة الفتق الإربي والأعشاب المستخدمة لتطهير الجرح، وهذا سر نجاح العملية على يد إدواردو، بعد ما أضاف هذه المعلومات إلى خبراته الكبيرة في علوم ترشيح الجسم، ومنطقة الفخذ خصوصًا.

بفضل البردية الفرعونية، طوّر باسيني أول طريقة حديثة لإصلاح الفتق الإربي، وبسببها تم ترشيحه إلى جائزة نوبل أربع مرات، بحسب الأرشيف لخاص بجائزة نوبل، وخطابات ترشح إدواردو باسيني الموضح فيها سبب ترشحه، عن علاج الفتق الإربي خلال سنوات 1905 – 1913 – 1913 – 1914.

لاحقًا، وباكتشاف مومياء مرنبتاح عام 1898 وفحصها بعد بضع سنوات بواسطة عالم التشريح الأسترالي «جرافتون إليوت سميث»، اعتُبرت الإثبات العملي لصحة المعلومات التي ذكرت في البردية عن علاج الفتق، ونجاح المصريين القدماء في إجراء جراحة للفتق الإربي، بعدما حملت المومياء آثار جراحة الفتق المتمثلة في وجود جرح كبير في الفخذ مع فصل الخصية عن الجسم دليلاً على أسبقيتهم في علاج هذا المرض بالجراحة.

بروس: 5 أيام في بورسعيد كشفت سر «الزحار»

المحاولة الناجحة الأولى لمعرفة سبب الإسهال غير المبرر، كانت سببًا في ترشح السير الإنجليزي ديفيد بروس (David Bruce) 31 مرة لجائزة نوبل في الطب.

هذا الإنجاز الطبي الذي نُسب لعمله في مالطا حيث كان يخدم ضمن قوات الجيش البريطاني، كان لمصر قدر منه، بحسب موقع «ذي أودورا» سافر إلى مصر في نهاية القرن التاسع عشر وقضى 5 سنوات بها بين العمل والدراسة.

في عام 1883 وصل لمصر وباء الكوليرا للمرة السابعة، بعد انتشاره في عدد من دول العالم بينها مالطا و فرنسا، والذي يُصيب الإنسان بإسهالٍ غير مبرر. لاحظ السير بروس وجود أعراض مختلفة مصاحبة للتدفق الدموي باختلاف البلد التي زارها.

وفي 10 مارس 1884 كان أول منصب له خارج بريطانيا، حيث تمركز لمدة خمس سنوات، من 1884 إلى 1889 في مالطا، وخلال هذا الوقت أجرى أبحاثًا أدت إلى عزل بكتيريا بروسيلا ميليتينسيس Micrococcus) melitensis) باعتباره الكائن الحي المسبب لحمى مالطا.

وخلال العام نفسه تم انتدابه إلى مصر، وأجرى حينها أيضًا تحقيقًا في تفشي وباء الكوليرا، في 13 ديسمبر 1884 انطلق إلى مصر على متن سفينة روهيلا (P&O Rohilla) المسؤولة عن أربعين رجلاً من هيئة الأركان الطبية التابعة للجيش البريطاني في مالطا.

استغرقت الرحلة إلى بورسعيد خمسة أيام، بحسب سيرته على موقع «الهيئة الطبية للجيش الملكي في مالطا» عبر سفينة روهيلا التي وصلت إلى السويس في 20 ديسمبر، وأقام عالم الطفيليات والأحياء الدقيقة في فندق بالسويس بينما نُقل باقي الرجال بالحافلات إلى المخيم قبل التوجه بالقطار إلى القاهرة.

نشرت مكتبة «ويلكم كوليكشن» التاريخية رسالتين من الجراح ديفيد بروس في مالطا إلى «ألكسندرا»، التي كشف فيها أخذ أربعين رجلاً من هيئة الطاقم الطبي إلى مصر من إنجلترا، وتحدث عن قناة السويس والمتاحف والآثار بالقاهرة.

إضافة إلى محاولته الناجحة في الحصول على جثث مصريين ماتوا بمرض الكوليرا، وتشريحها، وكانت سببًا في معرفته أنها تختلف عن حمى مالطا، التي أثبت لاحقًا أنها مرض الزحار أو الديسونتاريا وهو ما أكد نظريته أن العلاج المُتبع لمرضى مالطا باعتبارهم مُصابين بـ«الكوليرا» المنتشرة في مصر، تشخيصًا وعلاجًا خاطئًا.

وأكد اكتشافه أن حمى مالطا أو الزحار تختلف عن تلك التي في مصر، وأسهمت المعلومات التي قدمها عن اختلاف المرضين في توصل عالم الميكروبيولوجي لويس باستور ( Louis Pasteur) في التوصل إلى أول لقاح لمرض الكوليرا عام 1885.

طبيب سويدي نبَش قبور المصريين

بطريقة غير أخلاقية وعنصرية، كما وصفها «معهد كارولينسكا» السويدي، استغل عالم التشريح والأنثروبولوجيا السويدي ماغنوس جوستاف ريتزوس، أثر النظام الاستعماري العالمي لنبش المقابر في عدد من الدول التي خضعت للاستعمار وجمع الجماجم حديثة الدفن منها دون إذن.

البداية ترجع إلى عام 1890 حين تزوج من السيدة آنا، واستقال من منصبه في معهد «كارولينسكا» لمواصلة أبحاثه دون التزام من أعضاء هيئة التدريس، واستندت أبحاثه عن التنوع البشري إلى إثبات أنه بدراسة جماجم البشر سيصل إلى أعراق بشرية متميزة دون غيرها.

اصطحب «آنا» في جميع رحلاته لجمع هذه الجماجم، دخل مصر بحجة السياحة والدراسة، وكانت البداية في شتاء عام 1889 حين قاما بجولة في مصر لمدة 3 أشهر لزيارة المدن القديمة.

وكان الغرض الرئيس من الرحلة هو كتابات مقالات وزيادة المعرفة بالثقافة المصرية، لكن الهدف الحقيقي غير المعلن كان لجمع جثث مصرية وضمها لمتحف التشريح السويدي وقسم الاثنولوجيا بمتحف التاريخ الطبيعي.

وبحسب دراسة نُشرت عام 2016 بمجلة «أناتومي» العلمية، نجح بالفعل في جمع 100 قطعة من جثث مصرية اشتراها بـ3 قروش مقابل كل قطعة، واحتفظ بها بعناية في صناديق ظلت معه في فندقهم في الأقصر حيث أقام مع زوجته.

وثّق ريتزوس رحلته في الحصول على الجماجم المصرية، ودونها في مقالات والتي تم نشرها لاحقًا في كتاب اسكتشات ومقالات.. صور من وادي النيل، (Skizzer och uppsatser: Bilder från Nilens land)

يروي في هذا الكتاب رحلته –بصحبة زوجته- لمدة أسبوعين من مغادرة القاهرة في يوم عيد الميلاد، حيث سافرا عبر نهر النيل أولاً إلى مدينة أسوان حيث اشترى رتزيوس هناك مجموعات في الهدايا، وسرعان ما أدرك البائعون أنه كان زبونًا يمكنه الدفع وجاءوا إلى القارب وعرضوا بضائعهم مباشرة من الشاطئ.

لكن ريتزوس كان يبحث عن شيء آخر، وهو الجماجم المصرية من أجل دراساته الأنثروبولوجية وتمكن من الحصول على 30 جثة خلال رحلة من أسوان إلى بعض المقابر الصخرية عبر النيل، وتمكن من شرائها من خلال بعض الضباط الإنجليز.

وفي الأقصر ، تمكن من شراء 125 جمجمة بمساعدة القنصل أحمد أفندي مصطفى عياد الذي أرسل شخصًا لنبش القبور وإحضار الجماجم، وبمجرد عودته إلى القاهرة ، قام بشراء مزيد من الجثث أيضا، التي ما زالت موجودة في ستوكهولم بمتحف الإثنوغرافيا.

خلال هذه السنوات جمع حوالي 800 قطعة بشرية – تنوعت بين الجثث والجماجم – بعضها أثري وآخر حديث الدفن، وجمع حوالي 200 من دول أوروبية و400 من دول خارج أوروبا، لا تزال محفوظة اليوم في السويد.

استغلَّ ريتزوس شراء هذه الجثث والجماجم حديثة الدفن، في التشريح واستكشاف الجهاز العصبي، ورغم تصنيف ممارساته باعتبارها عملاً غير أخلاقي أو قانوني، فإن اسمه تم ترشيحه 23 مرة لجائزة نوبل في الطب بدءا من عام 1901 حتى 1916.

شاغاس طارد الملاريا في مصر والبرازيل

في كتاب «الأمراض المعدية» باللغة الألمانية، الصادر عام 1925، تم توثيق رحلة الباحث والطبيب البرازيلي «كارلوس شاغاس – Carlos Chagas» لدراسة الملاريا وطفيليات أخرى ومن بينها رحلته إلى مصر.

يشترك اسم شاغاس (1879 – 1934) في ترشحه أيضًا لجائزة نوبل في الطب مرتين، الأولى لجهوده الشهيرة في اكتشاف داء المثقبات الأمريكي المعروف بمرض الغدة الدرقية الطفيلي وترشح بسببها للجائزة عام 1913.

تكرر ترشيح لجائزة نوبل في الطب عام 1921 لدراساته عن الملاريا، وهو نفسه المرض الذي زار مصر لدراسته، بترشيح من الطبيب أوزوالدو كروز (Oswaldo Cruz)، الذي يُعتبر رائدًا في علوم البكتيريا والأوبئة.

وجاءت رحلته إلى مصر ضمن دولة طويلة شملت عدة بلاد، بينها مصر، وغينيا وليبيا، لدراسة ما يتشابه بين هذه الطفيليات في البرازيل ودول أفريقيا، ورغم حصره في الكوليرا إلا أن السير بروس اكتشف أن لكل منها سببًا وعلاجًا مختلفين.