لقد تعرضنا للاعتداء والإذلال.. مشتتين، مسجونين، بلا سلاح، ومكممي الأفواه.. مصير الديموقراطية الأوروبية قد انسل من بين أيدينا.

بيير جوزيف برودون، أحد منظري وقادة ثورة 1848 في فرنسا

في صورة مشابهة لما حدث لاحقا إبان الربيع العربي عام 2011، انطلقت في أوروبا عام 1848 سلسلة متتالية من الثورات الشعبية. كانت أوروبا في ذلك الوقت قد خرجت من مؤتمر فيينا 1815 (الذي أعقب هزيمة نابليون)، حيث فرضت الملكيات الأوروبية التي اتحدت في وجه الثورة الشعبية الفرنسية ونابليون لاحقا، عودة أسرة البوربون إلى الحكم في فرنسا مؤكدة على «الحق الشرعي للملوك».

كانت أوروبا في معظمها خاضعة للحكم المطلق للملوك الذين كانوا حريصين على التضييق على الحريات وقمع وإيقاف أي حراك شعبي أو ثورة تنادي بالحد من سلطاتهم في أي من البلدان الأوروبية خوفا من أن تنتشر عدوى الثورات إلى الدول كلها تحت “تأثير الدومينو”.لكن محو أثر الثورة الفرنسية من أذهان الأوروبيين لم يكن بهذه السهولة..فالشعوب -وفي مقدمتهم طلاب الجامعات- كانت قد بدأت تتبلور في أذهانهم تصورات أساسية حول رفض الملكيات المطلقة والمطالبة بـ”الحكم الدستوري” و”حق الشعب في أن يحكم نفسه” ووجوب “المساواة بين المواطنين” بالإضافة إلى انتشار موجة “القومية” والإحساس بالهوية الوطنية، كل هذا كان يتراكم في الوعي الجمعي للشعوب بجانب الأحوال الاقتصادية الصعبة التي مرت بها طبقات العمال خاصة إبان الثورة الصناعية في عدد من الدول لتنطلق شرارة متتالية الثورات في 1848.لم يكن هذا هو التشابه الوحيد مع الربيع العربي، فعلى شاكلته أيضا توحدت قوى “الثورة المضادة” في جميع البلدان لتستطيع في النهاية قمع ثورات الشعوب الأوروبية وإعادة الحال إلى ما كان عليه.. مؤقتا على الأقل..وفي خلال تتبعنا التالي لابد أنكم واجدين الكثير من أوجه التشابه بين ربيع العرب وربيع أوروبا..


فرنسا (ثورة فبراير)

في عام 1832 منحت بريطانيا حق التصويت للأغلبية العظمى من المواطنين، الأمر الذي دفع الشعب الفرنسي إلى المطالبة بإجراء مماثل

حكم الملك لويس فيليب المنحدر من أسرة أورليان (فرع ملكي آخر من أقرباء أسرة البوربون) فرنسا لمدة 18 عاما (1830 – 1848) “أصاب الفرنسيين السأم لطولها” بحد تعبيرهم الخاص. لم تكن فرنسا وقتها ملكية مطلقة تماما إذ أن الفرنسيين احتفظوا ببعض الحقوق التي حصلوا عليها إبان الثورة الفرنسية. لكن حق التصويت في الانتخابات كان حكرا فقط على “ملاك الأراضي”.وفي العام 1832 منحت بريطانيا (ذات الملكية الذكية التي كانت الأقدر على قراءة التاريخ) حق التصويت للأغلبية العظمى من المواطنين، الأمر الذي دفع الشعب الفرنسي إلى المطالبة بإجراء مماثل. لكن الملك لويس فيليب أعلن رفضه القاطع لهذا، فكانت الشرارة التي أشعلت الثورة.عمت المظاهرات الشوارع وحاول لويس فيليب قمعها في البداية لكنه فشل وهرب إلى بريطانيا..


إيطاليا

كانت إيطاليا في ذلك الوقت مقسمة إلى عدد من الدويلات الصغيرة كل منها تحت حكم جهة مختلفة، حيث كان الجنوب (مملكة صقلية ونابلي) تحت حكم أحد فروع أسرة البوربون الفرنسية والشمال في معظمه خاضع مباشرة أو بصورة غير مباشرة إلى الحكم والنفوذ النمساويين بالإضافة إلى الولايات البابوية و مملكة “سردينيا وبيدمونت” والعديد من الدوقيات الصغيرة.في ذلك الوقت كان الشعور القومي لدى الإيطاليين يتنامى بوجوب التخلص من الحكم الأجنبي والملكيات المستبدة، والسعي لتوحيد إيطاليا تحت حكم دستوري يكفل الحريات العامة..

بدأت الثورة في روما وصقلية ثم انتشرت إلى بقية المدن الإيطالية، وانضموا لجيوش ملك سردينيا وطردوا الجيش النمساوي من معظم المدن الإيطالية الكبرى

بدأت الثورة في روما وصقلية ثم انتشرت كالنار في الهشيم إلى بقية المدن الإيطالية.. ففي صقلية طرد الصقليون رجال البوربون وأقاموا دولة مستقلة ووضعوا لها دستورا يعد رائدا في الحريات العامة بالنسبة لزمانه؛ الأمر الذي اضطر الملك البوربوني إلى إعلان نهاية الملكية المطلقة والتحول إلى الحكم الدستوري في نابلي خوفا من أن تضيع من يده هي الأخرى. في نفس التوقيت بادر ملك سردينيا إلى إعلان الملكية الدستورية ووضع للبلاد دستورا ديموقراطيا، وأعلن إيمانه بحق الشعب الإيطالي في الحكم الدستوري والوحدة والتحرر من النفوذ الأجنبي، وبالفعل بدأ بجمع الجنود وانحاز له الإيطاليون من مختلف المدن لمواجهة القوات النمساوية المسيطرة على شمال إيطاليا.في ذلك الوقت قاد بابا روما -الجديد وقتها- عددا من الإصلاحات الديموقراطية المحدودة في روما لكنه عارض بشدة محاربة النمسا بدعوى أنه لا يجب على الكاثوليك أن يحاربوا بعضهم البعض. قامت ثورة عارمة في روما على إثر ذلك اضطرت البابا إلى الهرب وأعلن الثوار بزعامة (جاريبالدي) إقامة “جمهورية روما” وتم وضع دستور للبلاد وإطلاق حرية الصحافة وتوزيع عدد من أراضي الكنيسة على الفلاحين الفقراء.انتشرت حمى الثورات بين المدن الإيطالية وانضموا لجيوش ملك سردينيا وقاموا بطرد الجيش النمساوي من معظم المدن الإيطالية الكبرى وأعلنوا قيام الجمهوريات والملكيات الدستورية في مختلف المدن الإيطالية.


ألمانيا

على الرغم من أن الثورة الألمانية زامنت واحدا من أهم الأحداث في التاريخ الحديث وهو إعلان البيان الشيوعي، إلا أن مطالب الثورة الألمانية (بما فيها مطالب الحزب الشيوعي الألماني نفسه) كانت متركزة أكثر حول توحيد ألمانيا وإقامة حكم دستوري.كانت ألمانيا مقسمة إلى 39 دولة صغيرة عدد كبير منها خاضع لنفوذ الجارة الكبيرة (الإمبراطورية النمساوية)، وكانت تموج بالحركات التي تدعو إلى توحيد جميع الألمان في كيان واحد متخذة شعارا لها العلم ذو الأوان الثلاثة (الذهبي والأحمر والأسود).

قوبل المتظاهرون في معظم الحالات بالقمع وسقط العديد من الضحايا برصاص الجيوش لكن معظم الحكومات اضطرت أن تخضع وتبدي موافقة على مطالب المتظاهرين

كانت المظاهرات الأولى متشكلة بالأساس من طلاب الجامعات الذين تأثروا بالثورة في فرنسا وبالتزامن مع زملائهم في النمسا. تجمع الطلاب -الذين انضم لهم الأهالي وطبقات العمال والمفكرين- في مظاهرات كبرى في عواصم الدويلات المختلفة مطالبين بالوحدة و الديمقراطية والحريات السياسية. قوبل المتظاهرون في معظم الحالات بالقمع وسقط العديد من الضحايا برصاص الجيوش لكن معظم الحكومات اضطرت أن تخضع وتبدي موافقة على مطالب المتظاهرين، وإن كانت مؤقتة.أعلن معظم الأمراء الألمان عن نية لصنع دساتير تكفل الحريات العامة كما تم تنظيم اقتراع عام لانتخاب “برلمان كل الألمان”، وعلى الرغم من أن هذا البرلمان كان شكليا وغير ذي سلطة حقيقية، وعلى الرغم من دخوله في نقاشات جدلية مطولة حول تصور شكل ونظام الحكم في ألمانيا الموحدة المفترضة كانت غير ذات جدوى، إلا أنه يعد الخطوة الأولى التي تم خطوها في سبيل وحدة الشعب الألماني.


النمسا

سقط العديد من الطلاب قتلى برصاص الجيش النمساوي مما حدا بالطبقة الوسطى والعمال إلى الانضمام للطلاب، وقاد العمال خاصة حرب شوارع طويلة مع الجيش

في 13 مارس 1848 احتشد طلاب الجامعات في شوارع فيينا متأثرين بنجاح ثورة فبراير الفرنسية في الإطاحة بملكية لويس فيليب مطالبين بالحكم الدستوري وبرلمان منتخب من قبل جميع المواطنين الإمبراطور النمساوي ووزيره القوي ميترنيخ (عدو الثورات اللدود) قابلاها بالقمع عن طريق استدعاء الجيش في مواجهة الطلاب. سقط العديد من الطلاب قتلى برصاص الجيش النمساوي مما حدا بالطبقة الوسطى والعمال إلى الانضمام للطلاب، وقاد العمال خاصة حرب شوارع طويلة مع الجيش مما أدى في النهاية -بالإضافة إلى أحداث الثورة في هنجاريا- إلى خضوع الإمبراطور وميترنيخ الذي اضطر إلى الاستقالة ومغادرة البلاد وأعلن الإمبراطور عن تعيين حكومات جديدة أكثر قربا إلى الثوار كما اضطر هو الآخر إلى مغادرة فيينا عدة مرات.في 15 مارس تجمع المتظاهرون في بودابست عاصمة هنجاريا والتي كانت خاضعة للسيادة النمساوية وقدموا قائمة باثني عشر مطلبا تتضمن إقامة مملكة مستقلة في هنجاريا تدير شؤونها الاقتصادية والعسكرية بنفسها عن طريق برلمان منتخب وتشترك مع النمسا فقط في الإمبراطور الذي يحكمها كـ ملك هنجاريا.اضطر الإمبراطور النمساوي في ظل كل هذه الأحداث المتزامنة إلى إظهار موافقة مبدئية على هذه المطالب.


شتاء الثورات المضادة البارد

باءت كل الثورات تقريبا بالفشل..فجمهوريات إيطاليا ودويلاتها الدستورية الصغيرة لم تستطع الوقوف في وجه الجيش النمساوي الكبير الذي تجمع بقيادة الجنرال (راديتزكي) واستطاع إعادة شمال إيطاليا إلى السيطرة النمساوية وهزيمة ملك سردينيا الذي اضطر إلى التنازل عن العرش لابنه (إيمانويل). واستولى البوربون مجددا على صقلية وأعادوها إلى ملكيتهم بعد جمهورية دامت 16 شهرا.

جمهوريات إيطاليا ودويلاتها الدستورية الصغيرة لم تستطع الوقوف في وجه الجيش النمساوي الكبير

ورغم الدفاع المجيد الذي قاده (جاريبالدي) والثوار في الدفاع عن جمهورية روما ، إلا أنها لم تستطع الصمود أمام الجيش الفرنسي الكبير الذي أرسله نابليون الثالث والدول الكاثوليكية في استجابة لمناشدة البابا. واضطر (جاريبالدي) ورفاقه إلى الهرب من وجه القوات الفرنسية والنمساوية التي كانت تلاحقهم حيث شهد (جاريبالدي) وفاة زوجته بين يديه أثناء رحلة الهرب لتجتمع عليه ألوان الأحزان: الهزيمة، وضياع الحلم، والفقد.واصل جنرالات الجيش النمساوي (والذين كانوا ينتمون لطبقة النبلاء) سحق بقية الثورات فقاد (راديتزكي) قوات الجيش النظامي إلى هزيمة الثوار في حرب الشوارع الممتدة وعاد الإمبراطور إلى فيينا وأعلن عن تشكيل حكومة جديدة مكونة من وزراء كلهم من المحافظين الموالين للإمبراطور وألغى الإصلاحات التي اضطر لها سابقا.قام الإمبراطور النمساوي على إثر ذلك بطلب المساعدة من القيصر الروسي (الذي كان شديد العداء للثورات) وتقدم الجيشان النمساوي والروسي بمئات الألوف من الجنود إلى هنجاريا التي اضطرت إلى الاستسلام وعاد الحكم النمساوي مرة أخرى.أيضا وفي ظل موجة الثورة المضادة النمساوية تراجع معظم الأمراء الألمان عن وعودهم بالحكم الدستوري وحل ملك بروسيا (الدولة الألمانية الأكبر) البرلمان وأعلن دستورا جديدا يرسخ الملكية المطلقة ويبقي قانون الانتخاب لصالح الطبقة الأرستقراطية وفي خلال سنوات قليلة ضاعت كل مكاسب الثورة.الدولتان الوحيدتان اللتين احتفظتا بمكاسب 1848 الديمقراطية كانتا الدنمارك حيث توصل الملك وقادة الثوار التحرريين إلى تسوية يتقاسم فيها الملك السلطات مع البرلمان المنتخب ، واستطاعت هذه التسوية (النصف ثورة) الصمود في وجه رياح الثورة المضادة . الدولة الأخرى كانت هولندا حيث بادر الملك إلى إعلان الملكية الدستورية ووضع دستورا للبلاد في 1848 ولم يتراجع عنه مع تيار الثورة المضادة.

واصل جنرالات الجيش النمساوي سحق بقية الثورات فقاد (راديتزكي) قوات الجيش النظامي إلى هزيمة الثوار في حرب الشوارع الممتدة

أما فرنسا.. فكانت هي المأساة الملهاة..فعلى الرغم من الدفاع عن “حقوق الفقراء” و “حق العمل” إلا أن الثورة كانت أقرب إلى كونها ثورة الطبقة الوسطى المتأثرة بالأفكار الليبرالية منها إلى كونها ثورة العمال المتأثرين بالأفكار الاشتراكية والشيوعية.على أية حال، وبسبب تأثر الثورة بعمق بفكرة “حق العمل” التي نادى بها المفكرون الاشتراكيون، قُرِّر أن الحكومة ملزمة بتشغيل كل العمال والقضاء على البطالة وافتتحت لأجل هذا (المصانع الوطنية)، ولكن نتيجة هذه السياسة الاقتصادية كانت الفشل الذريع ولم تستطع الحكومة تشغيل كل المتوافدين من جميع الأنحاء إلى باريس مطالبين بحق التشغيل فأعلنت الحكومة وقف هذه السياسة.في نفس الوقت انتخب الشعب في اقتراع عام هيئة تأسيسية لوضع دستور للبلاد غلب عليها العنصر الليبرالي والمحافظ في مقابل الاشتراكيين. نتيجة لهذين العاملين، أعلن الاشتراكيون “ثورة عمالية” في باريس وسرعان ما تحولت إلى حرب شوارع بينهم وبين الحكومة المؤقتة والهيئة التأسيسية عرفت بـ”أحداث يونيو” وحسمت لصالح الأخيرين واستطاع الجيش القضاء على “الثورة العمالية”.

الثورة الفرنسية كانت أقرب إلى كونها ثورة الطبقة الوسطى المتأثرة بالأفكار الليبرالية منها إلى كونها ثورة العمال المتأثرين بالأفكار الاشتراكية والشيوعية

كان الشعب قد مل كل هذا النزاع بين الليبراليين من جهة والاشتراكيين من جهة أخرى فعزفوا عن انتخاب أي من مرشحيهم في الانتخابات الرئاسية وانتخبوا لويس نابليون (ابن أخ لنابليون لونابرت) مأخوذين بوعود الاستقرار وإعادة أمجاد فرنسا كما كانت أيام عمه نابليون الأول.قضى لويس نابليون معظم سني شبابه في المنفى وانضم لعدد من المنظمات الثورية وشارك في محاولات ثورية فاشلة للإطاحة بلويس فيليب. اكتسح لويس نابليون الانتخابات وفي خلال بضع سنوات قام بجمع السلطات كلها في يده وأعلن تعليق أعمال البرلمان وأعلن نفسه “إمبراطورا” لفرنسا باسم (نابليون الثالث). الأمر الذي اضطر عددا من المفكرين والأدباء إلى مغادرة فرنسا اعتراضا على هذه السياسات الديكتاتورية وخوفا من التعرض لأحكام قسرية بالحبس بعد أن كانوا سابقا من أشد مؤيدي نابليون الثالث.في ظل فشل الثورات وكل خيبات الأمل هذه هاجر عدد كبير من الشباب وخريجي الجامعات الكبرى اللامعين بدافع إما من اليأس والإحباط، أو من الخوف من الاعتقال والملاحقة خاصة في ألمانيا والنمسا. كانت وجهة الشباب الأساسية هي الولايات المتحدة حيث استقروا هناك وحققوا نجاحا كبيرا وساهموا في ازدهار الولايات المتحدة وبقية البلدان التي هاجروا إليها.لم تكن هذه هي (نهاية القصة).. ففي خلال 25 عاما من صيحات الطلاب الأولى في باريس وفيينا تغير وجه أوروبا.. بفعل النضال والضغط السياسي المستمر تحولت الإمبراطورية النمسا إلى (إمبراطورية النمسا ومملكة المجر) وأصبح لبرلمان كل من الدولتين الحق في إدارة الشؤون الداخلية للدولة محققة بذلك مطالب الثوار.وعلى الرغم من أن نابليون الثالث أعلن في خطاب تعيين نفسه إمبراطورا أن: “الإمبراطورية تعني السلام” إلا أنه أقدم على توريط فرنسا في سلسلة من الحروب والمغامرات الفاشلة -بدعوى استعادة أمجاد فرنسا العظيمة- قادت إلى وقوع ما كان يخشاه وهو توحد ألمانيا (المطلب الذي طالب به الثوار الألمان ولم يستطيعوا تحقيقه) فاستطاع (بسمارك) رئيس وزراء بروسيا توحيد الألمان في مواجهة نابليون الثالث وهزيمته هزيمة ساحقة أدت إلى استسلامه. ليدخل ملك بروسيا الذي أصبح قيصر ألمانيا الموحدة إلى قصر فرساي على صهوة جواده ويجري الجيش الألماني استعراض النصر في قلب باريس..حتى فرنسا فقد استطاعت بهزيمتها المذلة تلك التحرر من آخر أذيال الديكتاتورية والملكية وأصبحت جمهورية ديمقراطية منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا. واستطاعت في سنوات قليلة سداد الغرامة الخرافية التي اشترطها الجيش الألماني للانسحاب من فرنسا (متخيلا أن الفرنسيين لن يستطيعوا سدادها إلا بعد عشرات السنين).أما إيطاليا فقد توحدت هي الأخرى على يد رجلين..(كافور) وهو سياسي قدير صنو لبسمارك الألمان اختاره إيمانويل ملك سردينيا الشاب ليكون رئيس وزرائه. استطاع كافور بالتحالفات السياسية والعسكرية مع ألمانيا بسمارك حينا ومع فرنسا لويس نابليون حينا أخرى أن يحرر شمال إيطاليا من سطوة النمسا ويوحدها تحت راية الملك الإيطالي إيمانويل الأول.أما الآخر فهو البطل (جاريبالدي) الذي عاد بعد عقد من الزمان ليقود جيشا من المتطوعين حرر به جنوب البلاد من الملكية الأجنبية بدءا من صقلية باتجاه الشمال، لتصبح حدود إيطاليا الجنوبية التي حررها في تماس مباشر مع شمال إيطاليا الذي وحده الملك إيمانويل. وإذا بجاريبالدي يقرر أن يتنازل طوعا للملك إيمانويل مفضلا إيطاليا موحدة تحت ملكية دستورية على حرب تسفك فيها دماء الإيطاليين بين جمهورية وملكية كلاهما ناقص.

في الختام

خلال 25 عاما من صيحات الطلاب الأولى في باريس وفيينا تغير وجه أوروبا.. بفعل النضال والضغط السياسي المستمر

اليوم عندما ننظر إلى أحداث هذه الثورات، وما حملته من آمال كبرى، ومن خيبات كبرى بقدر تلك الآمال.. لا نملك إلا أن نتذكر أنه “لا شيء يبقى.. لا شيء يزول.. لكن كل حدث يترك في التاريخ أثرا صغيرا.. ومجموع هذه الآثار، يغير وجه العالم”..

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.