من الجدال الذي يدور حول الدولة العثمانية وبدايات الوجود العثماني في مصر والشام، أن السلطان سليم الأول حينما دخل القاهرة عام 1517، أجبر الخليفة العباسي المتوكل على التنازل عن الخلافة، ليضم السلطان العثماني إلى مملكته، إمبراطورية كاملة في حجم سلطنة المماليك، ويكتسب لقب خليفة المسلمين. هذا الأمر غير صحيح، ولم يثبت تاريخياً.

المدهش أن المؤرخ الروماني «دسوون – Dhosson» كان هو أول منْ ادّعى تنازل الخليفة المتوكل عن الخلافة إلى السلطان سليم، في كتاب كتبه باللغة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر بعنوان «لوحة عامة للإمبراطورية العثمانية»، يزعم فيه أن سليم أخذ من المتوكل شعائر الخلافة التي كانت مودعة بالقاهرة، وهي بردة النبي، صلى الله عليه وسلم، وبعض شعرات من لحيته، وسيف عمر بن الخطاب، ولا يذكر المؤرخ الروماني أي مصدر تاريخي يؤيد صدق ما يذهب إليه من نقل الخلافة. [1]

هذا الرأي المتأخر يُعارضه مؤرخون، بخاصة أن المؤرخين المعاصرين لدخول العثمانيين للقاهرة لا يذكرون شيئاً البتة عن تنازل المتوكل عن الخلافة لسليم، ومنهم المؤرخ المملوكي ابن إياس الذي حرص على تتبع حركات آخر خلفاء العباسيين بالقاهرة.

أيضاً، فإن سليم لم يذكر في رسائله إلى ابنه سليمان القانوني شيئاً عن هذا التنازل المزعوم، ولا يستعمل ابنه من بعده كذلك لقباً يتصل بالخلافة، ثم إن اللقب الجديد الذي اعتز به سليم هو «خادم الحرمين الشريفين» [2]، وقد أدخل في إمبراطوريته المدن الثلاث المقدسة في الإسلام: مكة المكرمة، المدينة المنورة، القدس الشريف، ونال العثمانيون مكانتهم الكبرى في عالم الإسلام بالتصدي للخطر البرتغالي في مياه المحيط الهندي، الذي هددت غاراته مدن البحر الأحمر الساحلية، وخطط لمهاجمة المدينة المنورة ونبش قبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، وتحويل مجرى النيل الأزرق إلى البحر الأحمر لتعطيش مصر.

متى إذن حرص السلاطين العثمانيون على التلقيب بلقب الخليفة؟

مع الضعف الذي سرى في أوصال الدولة العثمانية، وتكالب الدول الأوروبية على اقتطاع أجزائها، وجد سلاطين آل عثمان أواخر القرن الثامن عشر أن من الخير جمع المسلمين حول الدولة العثمانية، وامتلاك نفوذ روحي على المسلمين، سواء يعيشون في الإمبراطورية العثمانية أو خارجها، بخاصة المسلمون الذين اقتطعت روسيا أراضيهم بقوة السيف ومسلمي الهند.

كانت المناسبة الأولى التي برز فيها لقب الخليفة في معاهدة «كوجوك كينارجي» عام 1774 بين السلطان عبدالحميد الأول وكاترين الثانية إمبراطورة روسيا، وفي المعاهدة اعترف السلطان بانفصال شبه جزيرة القرم عن الإمبراطورية العثمانية. انتهز المفاوضون العثمانيون فرصة مطالبة إمبراطورة روسيا بحماية مسيحيي الكنيسة الأرثوذكسية القاطنين بالأراضي العثمانية ليطالبوا بحق مماثل للسلطان العثماني على مسلمي القرم. [3]

وفي صراع السلاطين العثمانيين مع بريطانيا، كثيرًا ما لوّحت إسطنبول بسلطانها الروحي على المسلمين في الهند بأعدادهم الكبيرة، وهو ما كانت تخشاه لندن، التي كانت سياستها الاحتلالية تتجنب على الدوام إثارة المشاعر الإسلامية. نُدلِّل على ما نذهب إليه حرص بريطانيا على اقتناص بيان تهدئة من السلطان العثماني خلال الثورة التي قادها المسلمون ضد شركة الهند الشرقية عام 1857.

وفي عهد آخر السلاطين العثمانيين الأقوياء عبدالحميد الثاني (حكم 1876 – 1909) رفعت إسطنبول شعار الجامعة الإسلامية، لتوحيد المسلمين، في مواجهة أطماع ذئاب أوروبا.

خفت شعار الجامعة الإسلامية في إسطنبول مع وقوع أول انقلاب عسكري في تاريخ الشرق الإسلامي عام 1909 على يد جمعية الاتحاد والترقي، وقد تبنت الفكر العلماني التغريبي، ولا يؤمن رجالها بالجامعة الإسلامية، ولا حتى بالرابطة العثمانية، وإنما تبنوا بديلاً القومية الطورانية، وعاشوا أوهام توحيد الشعوب التركية تحت سلطانهم، فاصطدمت القومية الطورانية التركية العلمانية مع القومية العربية خلال الحرب العالمية الأولى، واصطدمت مع العناصر غير التركية التي عاشت لقرون تحت ظلال الدولة العثمانية من الأرمن والأكراد واليونان.

أخيراً، وفي عام 1922 أعلن مصطفى كمال أتاتورك –ويعني أبا الترك– إلغاء السلطنة العثمانية، ليعقبها في مارس/آذار 1924 إعلان وفاة الخلافة العثمانية.

العرض السابق يُبيِّن أن الدولة العثمانية لجأت إلى استعمال لقب الخلافة متأخراً، وبهدف التصدي للخطر الغربي الذي يهدد كيان الدولة والمسلمين.

وسواء ثبت تنازل الخليفة العباسي المتوكل عن الخلافة للسلطان سليم أم لم يثبت، فإنها لا تنال كذلك لقب الخلافة، فالذي يصفه المؤرخون بأنه خليفة عباسي لم يكن بخليفة، ولا يمكن لمن لا يملك حق أن يتنازل عن شيء لا يملكه.

لكي نبرهن على ما نذهب إليه نقول إن علماء الإسلام اتفقوا على وصف خمسة خلفاء فقط بالراشدين، وهم أسيادنا: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز، ويضيف بعضهم نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي (511 – 569 هجرياً).

الخلافة الراشدة إذن بدأت مع أبي بكر الصديق، ثم رحلت مع طعن الإمام علي في جبهته بسيف مسموم، ليأتي بعدها ملك عضوض بحديث النبي، صلى الله عليه وسلم، معنى هذا أن معاوية بن أبي سفيان ليس بخليفة وكل من تبعه من حكام بني أمية هم ملوك وليسوا بخلفاء، فالخليفة الراشد يشترط لكي يكون خليفة أن يأتي بالبيعة والشورى من عموم المسلمين، لا بالوراثة.

ومن الضروري لقارئ التاريخ الإسلامي أن يفرق بين الفكر الإسلامي والمخاطبات والرسائل الرسمية للملوك، وطبيعي أن يكون معيار الحكم على شرعية الدول السلطانية الإسلامية هو الفكر لا الرسائل السلطانية ولا مدائح الشعراء والكتاب.

لنتابع باختصار أبرز تيارات الفكر الإسلامي وموقفها ورأيها في الخلافة، مفهوماً وشرعية.

أولاً: الخوارج

أُطلق على تيار الخوارج هذا الاسم بسبب خروجهم على الإمام علي بن أبي طالب، وبعد مقتل الإمام علي خرجوا –أي ثاروا– على بني أمية، ثم على بني العباس، رافضين الاعتراف بهم كخلفاء، فالخليفة لا يكون إلا بانتخاب حر صحيح، يقوم به عامة المسلمين، ويستمر في الحكم ما دام قائماً بالعدل، فإن حاد عن الصواب وجب عزله أو قتاله [4]، ولا يختص بالخلافة بيتاً من بيوت العرب، فليست الخلافة في قريش، وليست لعربي دون أعجمي [5]. الآراء السياسية للخوارج في اختيار الحاكم تجعلهم الأقرب لروح الإسلام.

ونظراً لتشبع روح الخوارج بالثورة ورفض انحراف الحكام، قالوا إنه يجب الخروج على الإمام الجائر إذا بلغ عدد المنكرين أربعين رجلاً. [6]

ثانياً: تيار أهل العدل والتوحيد (المعتزلة)

وهو تيار العقلانية في الفكر الإسلامي، ويبدأ على أرجح الأقوال على يد واصل بن عطاء، وقد رفض انحراف بني أمية عن مبدأ الشورى. قاوم أهل العدل والتوحيد الانحراف عن الشورى بالكلمة تارة، وبالسيف تارة أخري. اشتركوا في ثورة زيد بن على بن الحسين عام 122 هجرياً، وثورة الإمام يحيي بن زيد بن علي عام 125 هجرياً، وثورة عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب عام 127 هجرياً.

ولعل أكثر المحاولات توفيقاً كانت قيادتهم لثورة عام 125 هجرياً ضد الملك الأموي الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وقد نجحت الثورة في البداية، وأجلس المعتزلة على كرسي الحكم رجلاً منهم وهو يزيد بن الوليد بن عبدالملك بن مروان الملقب بالناقص، بيد أنه توفي بعدها بخمسة أشهر فقط.

وفي عهد العباسيين، قاد أهل العدل والتوحيد ثورة محمد بن عبدالله بن الحسن، المُلقّب بالنفس الزكية، عام 145 هجرياً ضد حكم الملك العباسي أبي جعفر المنصور.

ثالثاً: تيار الزيدية

يُنسب تيار الزيدية إلى الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين، وكان ضمن تيار الاعتزال، فكانت ثورته عام 122 هجرياً هي ثورة المعتزلة على الأمويين.

رابعاً: تيار الشيعة

رفض هذا التيار حكم بني أمية ثم بني العباس. الطريف أن الشيعة اتفقوا مع بني أمية وبني العباس في أن الإمامة تكون بالميراث، لكن بالميراث في بني علي وليس بني أمية وبني العباس. أما أهل السنة والمعتزلة والخوارج فقد رفضوا مبدأ التوريث في الإمامة والإمارة.

خامساً: تيار أهل السنة والجماعة

اختلفت مواقف أئمة هذا التيار من انحراف بني أمية والعباس عن الشورى، فالإمام أبو حنيفة النعمان أيد الثورة والخروج عليهم، فيما رفض باقي أئمة أهل السنة الخروج على آل العباس، وهم الأئمة الشافعي وأنس بن مالك وأحمد بن حنبل، رضي الله عنهم أجمعين، ليس اعترافاً منهم بشرعية الدولة العباسية، إنما خشية إراقة الدماء.

هذا العرض الموجز لآراء تيارات الفكر الإسلامي يبين أنها اجتمعت على رفض الاعتراف بشرعية دولتي الأمويين والعباسيين كخلافة راشدة، لكنها تباينت في كيفية تقويم هذا الانحراف، ما بين الجهاد بالكلمة أو الجهاد بالكلمة والسيف أو الاكتفاء بنصح الحاكم المتغلب خشية الفتنة وإراقة الدماء.

لو قلنا إن دولة الأمويين خلافة كاملة راشدة فإننا نبخس قدر أسلافنا ممّن جاهدوا لإعادة الأمر شورى بين المسلمين. نبخس الإمام الحسين قدره ونكون في صف يزيد بن معاوية، أي مؤيدين لقتل الحسين. خرج الحسين لا لطلب الحكم، وإنما لتقويم الانحراف الذي أحدثه معاوية بن أبي سفيان بتوليه ابنه يزيد بالتوريث لا بالشورى. صحيح أن الحسين استشهد في كربلاء، لكنه قدّم للأمة نبراساً يسير على دربه كل مطالب بالحق والعدل والشورى.

ومن بعد الإمام الحسين، توالت ثورات الأمة، فثار الإمام زيد بن على زين العابدين، وثار الإمام يحيى على حكم ملوك لا على خلفاء راشدين.

بل إن الإمام أبي حنيفة النعمان عُذب وضرب بالسياط في عهد الأمويين رافضاً الاعتراف بشرعية دولتهم، وتولي أي منصب في دولتهم. وحينما استولى بنو العباس على الحكم رفض الاعتراف بشرعية دولتهم وأيّد بالمال ثورة محمد النفس الزكية، وليس التأييد بالمال بأقل خطراً من التأييد بالسيف.

وكما رفض الإمام أبو حنيفة تولي أي منصب في عهد بني أمية، رفض عرض الملك العباسي أبي جعفر المنصور أن يكون «قاضي بغداد»، وقال للمنصور مؤكداً أهمية استقلال القضاة عن السلطة التنفيذية «لا يصلح للقضاء إلا رجل يكون له نفس، يحكم بها عليك وعلى ولدك وقوادك، وليست تلك النفس لي». [7]

ولا يخشى الإمام من تهديد الملك العباسي بالعقاب والعذاب، قائلاً «لو هددتني أن تغرقني في الفرات أو أن ألي الحكم لاخترت أن أغرق». [8]

ودفع أبو حنيفة ثمن إبائه تعذيباً وسجنا وجلداً بالسياط، فمات موتة مجيدة، كما يموت الصديقون والشهداء والصالحون. دفع أبو حنيفة حياته رافضاً ولآخر نفس في صدره الاعتراف بالدولة العباسية كدولة خلافة. فهل بعدها نترك موقف الإمام ونتخذ جانب الملك العباسي؟!

أنني أُفضِّل أن أقف مع الإمام الحسين بن علي وصحابته في كربلاء، وعبدالله بن الزبير بن العوام في ثورته بمكة المكرمة، والإمام زيد بن على والإمام يحيى، والمعتزلة، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن الوليد، ومحمد النفس الزكية، وواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبي حنيفة النعمان، وأتفهم موقف الأئمة أنس بن مالك والشافعي وأحمد بن حنبل.

أُفضِّل أن أكون مع هؤلاء مُدافعاً ومنافحاً، ولا أبرر ولا أضفي شرعية الخلافة على: ملوك بني أمية، وملوك بني العباس، ولا أعطي سلاطين بني عثمان حقاً لا يستحقونه.

بقي أن نقول إن الخلافة الإسلامية لا تعني البتة أن تخضع ديار الإسلام لحكم ملك واحد يجلس على عرشه في دمشق أو بغداد أو قرطبة أو القاهرة أو إسطنبول. الخلافة أعظم من ذلك وأجل. هي حكم الأمة الإسلامية بالشورى، وتحقيق العدل، وانفتاح دار الإسلام، يجوبها أبناء الأمة، من المحيط الهادي شرقاً إلى سواحل الأطلسي غرباً، سيبيريا ونهر الفولجا شمالاً إلى أواسط أفريقيا جنوباً.

المراجع
  1. محمد أنيس، الدولة العثمانية والشرق العربي 1514 – 1914 (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1993)، ص 116. توماس أرنولد، الخلافة: تاريخ الحضارة الإسلامية حتى آخر العهد العثماني، ترجمة محمد شكري العزاوي، غانم النقاش، الطبعة الأولي (بيروت: دار الوراق، 2016)، ص 124.
  2. أرنولد، ص 122، 130.
  3. للمزيد عن بداية استعمال لقب الخلافة في المعاهدات الرسمية بين الدولة العثمانية وروسيا: توماس أرنولد، الخلافة…، ص 138.
  4. محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، الجزء الأول، في السياسة والعقائد (القاهرة: دار الفكر العربي، ب. ت) ص 75.
  5. أبو زهرة، ص 75.
  6. محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي، الطبعة الأولي، (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1983)، ص 18.
  7. ابن البزاز الكردري، مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة، ج 1، الطبعة الأولي (الهند: مجلس دائرة المعارف النظامية، 1321 هجريا)، ص 232.
  8. مناقب أبو حنيفة للمكي، ج 2، ص 24.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.