رغم خسارة الأحزاب العراقية المقربة من طهران في الانتخابات البرلمانية العام الماضي وتراجع نسب تمثيلها في مجلس النواب، فإنها لم تتقبل هذا الوضع وعمدت إلى استخدام كل الأساليب الممكنة للضغط على الخصوم لإجبارهم على إفساح المجال لها للمشاركة في الحكم وعدم كسر التقليد المتبع منذ خضوع البلاد إلى الاحتلال الأمريكي عام 2003.

الانسداد السياسي

في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فاز 73 مرشحاً من التيار الذي يتزعمه رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر، بمقاعد في مجلس النواب ليصبحوا أكبر كتلة في البرلمان الذي يبلغ عدد مقاعده 329، وبناء على امتلاكه الأكثرية وليس الأغلبية حاول الصدر تشكيل حكومة ائتلافية بالتعاون مع أحزاب سنية وكردية.

وبرز في المقابل «الإطار التنسيقي»، وهو تجمع للأحزاب الشيعية تشكلّ بهدف خدمة مصالح الطائفة، وضم القوى المقربة من طهران مثل كتلة «دولة القانون» بقيادة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وائتلاف «الفتح» بزعامة هادي العامري، زعيم ميليشيا بدر، وعمار الحكيم، رئيس تيار «الحكمة»، وائتلاف «النصر» بزعامة رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، وبعد حصولها على دعم من نواب آخرين، أعلنت هذه القوى حصولها على 100 مقعد مما يجعل حصتها البرلمانية أكبر من الصدريين، ومع ذلك لم يستطع أي طرف تجميع الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.

وشكل مقتدى الصدر تحالف «إنقاذ وطن» الذي يضم كتلته البرلمانية والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني الحاصل على 33 مقعداً، وتحالف «السيادة» العربي السني الذي يضم 63 نائباً ويتكون من كتلة «تقدم» بزعامة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وكتلة «عزم» برئاسة رجل الأعمال، خميس الخنجر.

سعى الإطار التنسيقي للتحاور مع أطراف هذا التحالف الثلاثي وإقناعهم بتشكيل حكومة توافقية، تشارك فيها كل الكتل، لكن الآخرين تمسكوا بفكرة تشكيل حكومة أغلبية.

وجرى العرف السياسي منذ عام 2003 أن تتوافق الأطراف الشيعية في ما بينها على تشكيل للحكومة، وهي الصيغة التي يحاول الإطار التنسيقي الحفاظ عليها. وعن طريق تجميعه لثلث المقاعد، مَنَعَ خصومه من تشكيل حكومة أغلبية، اعتماداً على حكم القضاء الذي اشترط حضور ثلثي أعضاء البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية ومن ثم اختيار رئيس الوزراء، فغاب نواب التنسيقي عن الجلسات مع نواب حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة رئيس الجمهورية الحالي برهم صالح، وبذلك منعوا تحالف إنقاذ وطن من الاستفادة من قوته العددية.

لجأ مقتدى الصدر إلى قلب الطاولة فاستقال جميع نوابه من البرلمان في الثاني عشر من يونيو/ حزيران الماضي، وانتهز الإطار التنسيقي الفرصة فحصل على معظم هذه المقاعد الخالية، فارتفع عدد نوابه إلى نحو 130 نائباً فأصبح أكبر كتلة داخل البرلمان، وبالتالي أصبح قادراً على تشكيل الحكومة بالتعاون مع أحزاب وكتل أخرى، وتم اختيار محمد شياع السوداني، أمين عام تيار الفراتين، ليكون المرشح المختار لرئاسة الحكومة المقبلة، بعدما أخلى الصدريون لهم الساحة.

الأزمة

شكل ترشيح الإطار التنسيقي للسوداني صدمة لدى التيار الصدري، الذي كان يريد من الانسحاب إرباك المشهد وممارسة ضغط على الطرف الآخر لتمرير خياراته، لكنهم فهموا أن العقبات التي اعترضت طريق تشكيل الحكومة زالت من أمامهم، وكان ذلك صحيحاً بالنظر إلى الاعتبارات الدستورية، لكن الصدر لم يسكت فقرر حسم الأمر ميدانياً فأرسل حشوداً كبيرة من أتباعه، اقتحموا البرلمان واعتصموا داخله مطالبين بحل المجلس وإجراء انتخابات مبكرة، ووصف الصدر ذلك بأنه «عملية ديمقراطية ثورية سلمية»، وأنه احتكم إلى الشعب، محاولاً تصوير أعضاء تياره على أنهم يمثلون الشعب العراقي وليس فئة منه.

لكن تجدر الإشارة إلى أنه وفقاً للدستور لا يحق لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، تقديم طلب بحل المجلس لأنه رئيس حكومة تصريف أعمال مؤقتة، ولذلك يجب أن يأتي طلب حل المجلس من ثلث النواب إلى رئاسة المجلس، ويطرح للتصويت للحصول على موافقة الأغلبية، لكن البرلمان معطل، بسبب اعتصام المتظاهرين من أتباع الصدر، مما دفع رئيسه، محمد الحلبوسي، إلى تأجيل الجلسات، وبذلك لا يستطيع المجلس انتخاب رئيس جمهورية ولا رئيس وزراء ولا حتى حل البرلمان.

وبعد مناشدات عديدة وجه الصدر أتباعه في الثاني من أغسطس/ آب، للانسحاب من مبنى البرلمان والاعتصام في محيطه خلال مدة أقصاها 72 ساعة، معلناً عدم استعداده للتفاوض مع خصومه، ليس لأنه يرفض الحوار كما يقول، لكن بسبب أنه «خَبِرَ الحوار سابقاً» معهم، واتهمهم بعدم الالتزام بوعودهم، رغم أنه لا يحمل «عداوة شخصية حتى لمن يريد قتله»، في إشارة إلى رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي أذيعت له تسريبات صوتية يهاجم فيها الصدر، مما أثار جدلاً إعلامياً واسعاً.

ويتهم الصدر قوى الإطار التنسيقي، وبخاصة نوري المالكي، بالفساد والتبعية لإيران، ويدعو لتطهير البلاد من نفوذهم، معتبراً أن كل من لا يؤيد الإصلاح «فسيكون أسير العنف والميليشيات والخطف» في إشارة إلى انتهاكات فصائل الحشد الشعبي ضد المواطنين، من قتل وسلب ونهب وخطف وتعذيب، وهي جرائم تشاركهم فيها أيضاً الميليشيات التابعة للصدر مثل سرايا السلام.

ويركز خطاب التيار الصدري على مكافحة الفساد، على الرغم من أن العديد من قادتهم يحظون بمناصب عليا في الدولة، ومتهمون بالفساد، لكنهم أيدوا حراك تشرين الشعبي، وهي احتجاجات ضد الفساد والتبعية اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، شاركهم فيها التيار الصدري في البداية ثم تغير موقفه منها لاحقاً وشن ضدها هجمات مسلحة لإخمادها، ولذلك فإن عناصر الحراك الاحتجاجي ينتابهم شعور بعدم الثقة تجاه مقتدى الصدر نتيجة لتجربتهم السلبية معه، ولذلك أيدوا مطالب الصدريين بحذر رغم اتفاقهم معها لكنهم يخشون أن يخوضوا معركة من أجل استبدال قوة بقوة أخرى لا تتوانى عن قمعهم.

ونظم عشرات الآلاف من المعتصمين في ساحة البرلمان صلاة جمعة داخل المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد، ورددوا في الأثناء هتاف «نعم نعم للسيد»، في إشارة إلى مقتدى الصدر، في استعراض جديد للقوة، بعد ثلاثة أسابيع من صلاة مماثلة أجريت في حي مدينة الصدر، وتأتي خطورة التصعيد من كون الطرفين يمتلكان ميليشيات مسلحة وهناك مخاوف من أن تؤدي أي حادثة غير مقصودة إلى رفع مستوى التوتر لدرجات لا يريدها أحد.

ورغم أن الصدريين حازوا أكبر عدد من مقاعد البرلمان في الانتخابات السابقة فإنهم يطالبون بإعادة الانتخابات البرلمانية من جديد لأنهم يعتقدون أن حظوظهم ستكون أفضل في الجولة الانتخابية المقبلة، لأنهم يذهبون ككتلة منظمة إلى الانتخابات بينما من المتوقع أن يعزف الكثير من الناخبين عن المشاركة لاعتقادهم بعدم جدواها.

لكن تجدر الإشارة إلى أنه وفقاً للدستور لا يحق لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، تقديم طلب بحل المجلس لأنه رئيس حكومة تصريف أعمال مؤقتة، ولذلك يجب أن يأتي طلب حل المجلس من ثلث النواب إلى رئاسة المجلس، ويطرح للتصويت للحصول على موافقة الأغلبية، لكن البرلمان معطل، بسبب اعتصام المتظاهرين من أتباع الصدر، مما دفع رئيسه، محمد الحلبوسي، إلى تأجيل الجلسات، وبذلك لا يستطيع المجلس انتخاب رئيس جمهورية ولا رئيس وزراء ولا حتى حل البرلمان.

وبعد مناشدات عديدة وجه الصدر أتباعه في الثاني من أغسطس/ آب، للانسحاب من مبنى البرلمان والاعتصام في محيطه خلال مدة أقصاها 72 ساعة، معلنًا عدم استعداده للتفاوض مع خصومه، ليس لأنه يرفض الحوار كما يقول، لكن بسبب أنه “خَبِرَ الحوار سابقا” معهم، واتهمهم بعدم الالتزام بوعودهم، رغم أنه لا يحمل “عداوة شخصية حتى لمن يريد قتله”، في إشارة إلى رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي أذيعت له تسريبات صوتية يهاجم فيها الصدر، مما أثار جدلاً إعلامياً واسعاً.

ويتهم الصدر قوى الإطار التنسيقي، وبخاصة نوري المالكي، بالفساد والتبعية لإيران، ويدعو لتطهير البلاد من نفوذهم، معتبراً أن كل من لا يؤيد الإصلاح “فسيكون أسير العنف والميليشيات والخطف” في إشارة إلى انتهاكات فصائل الحشد الشعبي ضد المواطنين، من قتل وسلب ونهب وخطف وتعذيب، وهي جرائم تشاركهم فيها أيضاً الميليشيات التابعة للصدر مثل سرايا السلام.

ويركز خطاب التيار الصدري على مكافحة الفساد، على الرغم من أن العديد من قادتهم يحظون بمناصب عليا في الدولة، ومتهمون بالفساد، لكنهم أيدوا حراك تشرين الشعبي، وهي احتجاجات ضد الفساد والتبعية اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، شاركهم فيها التيار الصدري في البداية ثم تغير موقفه منها لاحقاً وشن ضدها هجمات مسلحة لإخمادها، ولذلك فإن عناصر الحراك الاحتجاجي ينتابهم شعور بعدم الثقة تجاه مقتدى الصدر نتيجة لتجربتهم السلبية معه، ولذلك أيدوا مطالب الصدريين بحذر رغم اتفاقهم معها لكنهم يخشون أن يخوضوا معركة من أجل استبدال قوة بقوة أخرى لا تتوانى عن قمعهم.

ونظم عشرات الآلاف من المعتصمين في ساحة البرلمان صلاة جمعة داخل المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد، ورددوا في الأثناء هتاف «نعم نعم للسيد»، في إشارة إلى مقتدى الصدر، في استعراض جديد للقوة، بعد ثلاثة أسابيع من صلاة مماثلة أجريت في حي مدينة الصدر، وتأتي خطورة التصعيد من كون الطرفين يمتلكان ميليشيات مسلحة وهناك مخاوف من أن تؤدي أية حادثة غير مقصودة إلى رفع مستوى التوتر لدرجات لا يريدها أحد.

ورغم أن الصدريين حازوا أكبر عدد من مقاعد البرلمان في الانتخابات السابقة فإنهم يطالبون بإعادة الانتخابات البرلمانية من جديد لأنهم يعتقدون أن حظوظهم ستكون أفضل في الجولة الانتخابية المقبلة، لأنهم يذهبون ككتلة منظمة إلى الانتخابات بينما من المتوقع أن يعزف الكثير من الناخبين عن المشاركة لاعتقادهم بعدم جدواها.