يمكن وصف القرن العشرين بأنه قرن التمرد المصري، وقد دخلته مصر كبلد محتل وخاضع عسكريًّا واقتصاديًّا للإنجليز بعد هزيمة الثورة العرابية وإعادة تثبيت عرش أسرة محمد علي. وإذا كانت التحركات المصرية قد بدأت بشكل هادئ على أيدي مصطفى كامل ومحمد فريد، فإنه ما كاد غبار الحرب العالمية الأولى ينقشع حتى بدأ الشعب المصري يتلمس طريقه لانتزاع حريته وقوته.

عبر حلقات من المد الثوري خرج الشعب المصري من قمقمه ليخوض بقواه وسواعد بنيه معاركه على امتداد القرن العشرين، وغاية هذا المقال ليس التأريخ للكفاح المصري، بل محاولة الكشف عن الخطوط العريضة للموجات الثورية الرئيسية في هذا القرن، وهي في تقديرنا تبدأ بثورة 1919، مرورًا بانتفاضة 1946، ثم انتفاضة فبراير 1968 وانتهاءً بنهوض عقد السعينيات الثوري الذي شهد ذروته في 18 و19 يناير 1977.

هذا لا يعني التقليل من شأن تحركات ثورية أخرى عديدة، كانتفاضة 1935 أو احتجاجات 1954 ونوفمبر 1968، لكن الحلقات الأربع المذكورة هي ما تُشكل في نظرنا المحطات الرئيسية على طريق الكفاح الجماهيري المصري في القرن العشرين.

أول ما يلفت نظر القارئ لهذا التاريخ الاحتجاجي هو الطابع العفوي لتلك الانتفاضات، والعفوية في تعريف بسيط تتجلى في غياب التنظيم الثوري المرتبط عميقًا بالجماهير، هذا الغياب يعكس نفسه في غياب الخطة الاستراتيجية التي تتحرك في إطارها جماهير الاحتجاج، وغياب الخطة التكتيكية، أو غياب الوعي بالتكتيكات المستخدمة والملائمة لتحقيق الهدف النهائي للاحتجاج.

لقد انطلقت ثورة 1919 بشرارة تمثلت في القبض على سعد زغلول وصحبه ونفيهم، ولكن هذا لا يعني أن سعد زغلول أو الوفد الذي لم يكن وقتها يمثل حزبًا بل وفد تفاوض، لم يكونوا قيادة لتلك الجماهير، إنما خرجت تلك الجماهير كاستجابة لما كان تبجحًا إنجليزيًّا على أمة تسعى للحرية، فإذا بالاحتلال يعتقل وفدها التفاوضي وينفيه. كان الوفد بتكوينه منفصلًا عن الجماهير التي خرجت والتي تشكلت من كتلة عريضة ضمت البرجوازية الصغيرة في المدينة (الطلبة والمحامين والموظفين والحرفيين) والطبقة العاملة الناشئة والفلاحين، وقد كانت تلك هي السمة الثانية.

كان انخراط الفلاحين في ثورة 1919 هو سابقة لم تتكرر على هذا النطاق فيما تلا من احتجاجات، وقد وسم دخول الفلاحين على خط الثورة بالعنف الضاري الذي أقلق مضاجع الاحتلال والسراي والوفد نفسه، باعتباره كان يتكوَّن هو الآخر من كبار ملاك الأراضي. لقد قام الفلاحون المصريون بعفوية، وبوعي غريزي، بقطع خطوط المواصلات والاتصالات وعزل المديريات[1] بما أعاق وصول النجدات والإمدادات الإنجليزية بكفاءة.

كانت تلك لحظة الفلاحين المصريين بكل وضوح، اللحظة التي كان الريف هو القادر فيها على حسم الأمور لو توفرت القيادة، في حين اتخذت الاحتجاجات في المدينة طابعًا آخر نتج أساسًا عن تكوينها الطبقي الذي غلبت عليه فئات البرجوازية الصغيرة كما أسلفنا. لم يظهر الفلاحون المصريون على المسرح بهذا الشكل الكثيف ثانية، بالرغم من ومضات في بهوت وكفور نجم في 1951 وفي كمشيش في 1966 ضد كبار ملاك الأراضي وبقاياهم.

عبر كل الموجات الاحتجاجية المذكورة كانت جماهير الشعب أسبق من قيادتها المفترضة وهذه هي السمة الثالثة، إلا في انتفاضة 1946، لأن التحرك جاء أساسًا بنداءٍ واضحٍ من اللجنة التنفيذية العليا للطلبة التي تطورت وصارت جبهة طلابية عمالية هي اللجنة الوطنية للعمال والطلبة[2]، التجربة الائتلافية الأكثر تأثيرًا في التاريخ المصري الحديث، والتي تشكلت أساسًا من تحالف الطليعة الوفدية – يسار الوفد – والماركسيين ثم انضم إليهما الإخوان المسلمون ومصر الفتاة الذين سرعان ما انشقوا ليكونوا اللجنة القومية برعاية الطاغية إسماعيل صدقي.

وقد أطلقت اللجنة شرارة المظاهرات التي أثارت رد فعل عنيف من الاحتلال والحكومة، وبالرغم من التفاف جماهير الطلبة والعمال حول هذه القيادة فإنها لم تستطع بلورة خطة حقيقية لأن ذلك كان يعني توسيع الاشتباك مع الاحتلال والسراي والحكومة والخروج من تحت قيادة الوفد الذي كان الطرفان – الماركسيون والطليعة الوفدية – يسلمان بشرعية قيادته للحركة الوطنية حتى مع عجزه المزمن عن تحقيق الاستقلال، بل تعرضت سمعته الوطنية للتلطيخ بارتقائه السلطة في فبراير 1942 تحت حماية الدبابات الإنجليزية.

فقد اندفع عمال حلوان إلى الاحتجاج على صدور أحكام هزيلة ضد قادة الطيران في 1968، واجههم البوليس بعنف أدى لاستشهاد وإصابة العديدين وإطلاق شرارة الانتفاضة في الجامعة[3]، دون أي تنسيق قبلي أو إعداد، بل كانت عناصر نشطة من يسار منظمة الشباب والحلقات الماركسية الجديدة التي كانت في طور التخلق هي من ترتب العمل اليومي للهبة دون أن يمتلكوا أفقًا لتطويرها ولا هياكل تنظيمية حقيقية.

وقد كان غياب الخطة البعيدة وانتفاء القدرة على رسم مسار احتجاجي متواصل سمة متأصلة في انتفاضات السبعينيات، ما قبل الحرب، حيث كانت جمعية أنصار الثورة الفلسطينية[4] ولجان الدفاع عن الديمقراطية النشطة في قلب الجامعة كمنظمات علنية للطلبة الماركسيين ترفع شعارات محددة عبر مجلات الحائط والنشاط اليومي في الجامعة، ما مكنها من الوصول إلى ذروة الفعل بانتفاضتي 1972 و1973 التي واجهها السادات بعدة خطوات، كان آخرها اضطراره لخوض الحرب النظامية لقطع الطريق على تبلور موجة انتفاضية شعبية كان اليسار في القلب منها بداهة، وبقيام الحرب سقط الشعار الرئيسي الذي رفعه الطلبة وذوت الانتفاضة من تلقاء نفسها مخلفة هزيمة الحركة الطلابية وطليعتها.

أما السمة الرابعة التي وسمت التحركات الجماهيرية المصرية في القرن الفائت فهي مرتبطة أساسًا بكونها انتفاضات عفوية تفتقر لتنظيم راسخ، هذه السمة هي أن الجماهير المصرية كانت ترفع الشعار لا لتضعه بنفسها موضع التنفيذ، بل لتطالب آخرين بتنفيذه. فجماهير فبراير ومارس 1946 لم تجد سبيلًا لتنصيب نفسها مسئولة عن التحرير وطرد الإنجليز، بدلًا من ذلك رفعت مطالب ملزمة للحكومة القائمة أو من يتلوها، ولم تكن تلك الحكومات شعبية حقًّا، ولا راغبة في إغضاب السراي والإنجليز. وعلى نفس الدرب، سارت انتفاضة 1968، حين طالبت الحركة النظام المهزوم بمحاكمة أركانه، بمطرقة المجتمع طالبت السلطة التي بنت هيكل الهزيمة عبر السنين بتصحيح الأعطاب في هيكلها المنهار.

كان رد فعل السلطة أو الاحتلال أو كليهما في كل حالة من تلك الحالات هو مزيج من القمع الأمني، ونزع الفتيل الذي فجَّر الاحتجاج. فبعد أن أدرك الإنجليز خطورة خوض حرب مفتوحة مع الفلاحين في 1919، خاصة أن امتداد المواجهة كان يعني تقويض الدور الذي لعبته البرجوازية الصغيرة والوسطى التي حاولت كبح عنف الفلاحين، قام الاحتلال بعد عنف دامٍ بالإفراج عن سعد زغلول والسماح بسفر الوفد، فالتفاوض مع وفد من كبار الملاك لم يكن أبدًا بخطورة مواجهة حرب فلاحين!

وفي 1946، وبالتوازي مع عنف الاحتلال ومذبحة كوبري عباس الشهيرة، قام إسماعيل صدقي بالتنسيق مع الإخوان المسلمين ومصر الفتاة بمحاولة للتشكيك في الإجماع الذي حظيت به اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، عبر تأسيس اللجنة القومية التي بدأت تصدر البيانات محاولة نزع فتيل الاحتجاج وإلقاء الضوء على أسف إسماعيل صدقي العميق لمن سقط من الضحايا، في نفس الوقت كانت مفاوضات صدقي – بيفن تسير في محاولة لإنجاز معاهدة جديدة كذرٍّ للرماد في العيون تلتها حملة ضارية شنها صدقي ضد الصحافة الوطنية مع حملة اعتقالات غير مسبوقة.

أما في فبراير 1968، فقد تدرجت الإجراءات من مواجهة الشرطة لعمال حلوان بالرصاص إلى إغلاق الجامعة بعدما التقى السادات رئيس مجلس الأمة آنذاك بوفد عن للطلبة للتفاوض، مع وعد بعدم المساس بهم، وهو ما حدث عكسه، حيث دوهمت منازل أعضاء الوفد في الفجر، وتم وضعهم رهن الاعتقال، ما أدى لاشتداد الاحتجاجات، ثم وضع وحدات من الجيش في المنطقة الشمالية العسكرية تحت أمر محافظ الإسكندرية، إلى قرار بإعادة محاكمة قادة الطيران – كانت الأحكام الهزيلة الصادرة هي الشرارة التي أطلقت الاحتجاج – وإصدار بيان 30 مارس الذي وعد فيه عبد الناصر بتحقيق الفريضة الديمقراطية التي غيبها بنفسه لمدة 16 عامًا، وهو البيان الذي ظل حبرًا على ورق.

وعلى نفس المنوال واجه السادات انتفاضة الطلبة فيما قبل حرب أكتوبر، مزيج من القمع والتفاوض الذي انتهى بفشل أدى إلى إغلاق الجامعة ليكون شن الحرب التي مثلت محور استراتيجية الحركة الطلابية هو رصاصة الرحمة التي أطلقها السادات على الانتفاضة، وحرر بها نفسه من الضغوط التي ظلت تتصاعد منذ وفاة عبد الناصر وتمديد وقف إطلاق النار بموجب معاهدة روجرز.

وتعد انتفاضة 18 و19 يناير 1977 مثالًا ساطعًا وشديد الوضوح، بل حالة جامعة لكل تلك السمات بلا استثناء. فقد قامت الانتفاضة بعد قرارات رفع الدعم الشهيرة[5] التي أدت لزيادات في أسعار بعض السلع الرئيسية، لم تكن الزيادات بحد ذاتها كبيرة، لكن الاحتقان الاجتماعي كان يتصاعد على خلفية صدع طبقي شديد الوضوح عززته سياسة الانفتاح، وفي ظل مجال سياسي تهيمن عليه شعارات اليسار العلني – بعد تأسيس المنابر – والسري التي تخاطب مباشرة وبلا تعقيد مظاهر هذا الصدع الطبقي، كانت الأرضية جاهزة للانفجار، لكن هذا اليسار نفسه لم تكن منظماته عميقة الصلة بجماهيرها المفترضة، ومن هنا كان الحريق عفويًّا ومداه محدودًا.

فبعد يومين من العنف، كان النظام مأخوذًا ومشدوهًا من حدته، اضطر السادات للتراجع عن القرارات بعد أن فشلت الشرطة في السيطرة على المشهد، وبدأ المتظاهرون يقتحمون أقسام البوليس بحثًا عن السلاح، بالتزامن مع إلغاء القرارات نزل الجيش إلى الشارع، وعاد المنتفضون إلى بيوتهم وكأن شيئًا لم يكن. رغم أن شعارات الانتفاضة كانت تهاجم المجتمع الطبقي والقضاء على الاشتراكية ومظاهر الترف، فإن قرار السادات الذكي في التوقيت المناسب أدى إلى إطفاء الحريق سريعًا قبل أن يمتد أوار المواجهة إلى مدى يصبح الرجوع بعده مستحيلًا بجون تنازل جوهري من النظام.

هنا كانت كل مظاهر العفوية قائمة، شديدة البروز، وتفسر هذا التناقض بين حدة العنف الذي مورس وسرعة انكفاء الانتفاضة التي حاول النظام تصويرها فيما بعد وكأنها انتفاضة شيوعية متكاملة، في حين كانت تلك محاولة لاستخدام الانتفاضة لتصفية اليسار الماركسي الذي بوغت كالنظام تمامًا بتحرك الجماهير، ولو لم يباغت فلم تكن لدى أكبر تنظيماته القدرة على التأثير في مجرى الحدث بسرعة، وهي الاحتمالية التي كانت لتصبح ممكنة التحقق لو أن إلغاء القرارات قد تأخر.

بقي أن نقول إن هذه المحاولة الموجزة لتحديد السمات العامة لأبرز التحركات الاحتجاجية للشعب المصري في القرن الماضي، لا تُغني عن ضرورة تحليل كل حالة على حدة، من جهة تكوينها الطبقي والظرف التاريخي الذي تشكلت فيه كل حالة، إذا كنا بصدد الخروج بتعميم يربط بين الديناميكيات الحاكمة للفعل الاحتجاجي للشعب المصري وبين مسار التطور الاجتماعي العام الذي يطبع بطابعه السلوك الجماهيري في أيام الهدوء كما في أيام الغضب.

المراجع
  1. البرجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة – صلاح عيسى
  2. البرجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة – صلاح عيسى
  3. الجيل الذي واجه عبدالناصر والسادات – هشام السلاموني
  4. الطلبة والسياسة في مصر – أحمد عبدالله رزة
  5. مصر في 18 و 19 يناير: دراسة سياسية وثائقية – حسين عبدالرازق