في عام 2016، عام حافل للسينما المصرية حققت فيه إنجازات كبيرة؛ منها تكسير أعلى الإيرادات في تاريخها، العودة لاقتباس روايات أدبية بعد غياب طويل، وتمثيل مصر في أهم المهرجانات حول العالم، بل والحصول على جوائز هامة. ومن ناحية أخرى تستمر خلطات الكوميديا والأكشن التي لم يحظَ أغلبها باستحسان من قبل النقاد أو إقبال من جهة الجمهور. في هذا التقرير نستعرض أهم ملامح السينما في هذا العام.


كسر أعلى الإيرادات

فيلم "لف ودوران"
فيلم «لف ودوران»

من ضمن أهم الأحداث التي شهدتها السينما في مصر بعام 2016 هي فكرة كسر أعلى الإيرادات حيث كسر فيلم «جحيم في الهند» بطولة «محمد إمام» وإخراج «معتز التوني» رقم فيلم «شد أجزاء» 2015 بطولة «محمد رمضان»؛ ليحقق الأول أعلى إيراد يومي في تاريخ السينما المصرية 4 ملاين و180 ألف جنيه، بينما حقق الأخير وقت عرضه 4 ملايين و60 ألف جنيه. كذلك استطاع فيلم «لف ودوران» بطولة «أحمد حلمي» تحقيق أعلى إيرادات في تاريخ السينما المصرية منذ تصوير أول فيلم مصري في 1907.

ومن ناحية أخرى، جاء فيلم «هيبتا» والمقتبس عن رواية لمحمد صادق وبطولة «عمرو يوسف» و«ياسمين رئيس» وإخراج «هادي الباجوري» ضمن أكثر الأفلام تحقيقًا للإيرادات بعام 2016؛ ليكون الحصان الرابح في الإيرادات هذا العام هو الأفلام الكوميدية والرومانسية، وهو أمر ليس جديدًا على السينما المصرية ولكنه ينبئ بأن الجمهور في مصر، وعلى خلاف ما يظنه البعض، ما زال مقبلاً على مشاهدة الأفلام في دور العرض على الرغم من إمكانية مشاهدة الأفلام عبر طرق أخرى مثل الفضائيات والإنترنت وغيرها من الوسائل الحديثة.

ولكن علينا أن نضع في اعتبارنا أن دور العرض هذا العام قد رفعت أسعار التذاكر لتصل في بعض السينمات إلى 50 جنيهًا، وهو ما ساعد في تحقيق هذه الإيرادات المرتفعة. وقد صاحب هذا الارتفاع في أسعار التذاكر افتتاح عدد من دور العرض في «المولات» التجارية التي تجتذب العائلات، والتي بدورها تفضّل الأفلام العائلية مثل «لف ودوران» الذي يتحدث عن علاقة البطل بعائلته، وتختار الأفلام التي لا تخدش حياء أطفالها وهو ما اتسم به فيلم أحمد حلمي كفيلم ينتمي إلى ما يسمى بالسينما النظيفة، وكل تلك الأسباب ساعدت فيلم «لف ودوران» على تكسير أعلى الإيرادات.


واجهة لمصر حول العالم

فيلم اشتباك
مشهد من فيلم «اشتباك»

ونستطيع أن نقول إن عام 2016 هو عام السعد بالنسبة للسينما المصرية، حيث شارك عدد معتبر من الأفلام المصرية في المهرجانات السينمائية حول العالم، مثل فيلم «اشتباك» من إخراج «محمد دياب» الذي شارك أيضًا في كتابة الفيلم مع «خالد دياب»، وشارك الفيلم في قسم «نظرة ما» بمهرجان «كان» السينمائي وحظي باستحسان نقدي كبير. تميز الفيلم بشكل خاص على مستوي الإخراج والتصوير، حيث لم تخرج الكاميرا طوال الفيلم من عربة ترحيلات الشرطة وهو أمر نادر يذكرنا بأفلام المخرج الكبير الراحل «صلاح أبو سيف»، وخاصة فيلمه «بين السما والأرض».

وأيضًا شهد هذا العام فيلم «آخر أيام المدينة» من بطولة الممثل العالمي «خالد عبد الله» والمطربة «مريم صالح» وإخراج «تامر السعيد»، والذي فاز بجائزة «كاليجاري» بمهرجان برلين السينمائي الدولي، والذي يعتبر تحفة سينمائية لم نشهد لها مثيلاً منذ صعود السينما المستقلة في مصر وخاصة مع فيلم «عين شمس» عام 2009.

وفيلم «أخضر يابس» إخراج «محمد حماد» الذي شارك بمهرجان «لوكارنو»، وشارك أيضًا بنفس المهرجان فيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن» بطولة مجموعة من النجوم «ليلى علوي» و«منة شلبي» و«باسم سمرة» ومن إخراج المخضرم «يسري نصر الله». وكذلك فيلم «نوارة» بطولة «منة شلبي» وإخراج «هالة خليل» والذي فاز بعدة جوائز في مهرجانات «دبي» و«وهران» وغيرهما. وفيلم «يوم للستات» بطولة «إلهام شاهين» و«نيللي كريم» ومجموعة كبيرة من النجوم، ومن إخراج «كاملة أبو ذكري» والذي فاز بجائزة في مهرجان القاهرة السينمائي. وفيلم «البر التاني» تأليف «زينب عزيز» وإخراج «علي إدريس» والذي شارك بمهرجان القاهرة السينمائي.

ونتجت هذه الحالة من الازدهار الفني في السينما المصرية على يد أكثر من جيل بعد أكثر من خمس سنوات من المخاض. جيل يسري نصر الله، وجيل كاملة أبو ذكري وهالة خليل، وجيل محمد دياب وتامر السعيد، وأخيرًا جيل محمد حماد. وقد بدأ هذا المخاض بعد ثورة 25 يناير والتي جددت الدماء في عروق الكثير من السينمائيين الذين استبشروا بالثورة وقرروا أن يغيروا من أنفسهم قبل تغيير البلد ليقرروا ويسعوا إلى صنع أفلام لا تنجرف وراء السينما التجارية المعتادة لتنجح بعض هذه الأعمال في مسعاها وتخفق أعمال أخرى. ولكن المحصلة النهائية كانت مكسبًا للمشاهدين وللسينما المصرية التي كان لها حضور متميز هذا العام وهو ما يساعد على نشر الثقافة المصرية حول العالم.


المرأة والسينما: يبقى الحال كما هو عليه

فيلم "نوارة"
فيلم «نوارة»

ومن ناحية أخرى، برزت المشاركة النسائية في عام 2016 من خلال المخرجتين هالة خليل بفيلمها «نوارة»، وكاملة أبو ذكري بفيلمها «يوم للستات»، بينما شهد هذا العام أيضًا أفلامًا تناقش قضايا المرأة مثل «يوم للستات» و«اللي اختشوا ماتوا» بطولة «غادة عبد الرازق» وإخراج «إسماعيل فاروق»، وفيلم «أبو شنب» بطولة «ياسمين عبد العزيز» و«ظافر عابدين» وإخراج «سامح عبد العزيز».

ولكن الرؤية في هذه الأفلام كانت قاصرة وذكورية على الرغم من محاولتها التجمل بغلالة نسوية لم تستطع أن تستر العيوب التي صاحبت هذه الأعمال مضمونًا وأسلوبًا. ففي فيلم «اللي اختشوا ماتوا» يتناقض متن الفيلم حينما يطرح في نهايته أن إحدى النساء هي التي خانت صاحباتها اللاتي كن كالقبضة الواحدة ضد صعوبات الحياة ومؤامرات الرجال، بينما أصر صناع الفن على إظهار مفاتن الممثلات وكأنهن سلع تقدم للجمهور وهو أيضًا ما يتنافى مع فكرة الاهتمام بقضايا المرأة فما بالنا بتبنّيها.

أيضًا وقع فيلم «أبو شنب» في تناقض صارخ حينما تعبّد إحدى النساء، التي ترأس إحدى الجمعيات الحقوقية، طريق البطلة لتنال فرصتها في العمل، وفي سبيل ذلك تقوم بإقناع اللواء رئيس البطلة عبر إغوائه، وهو أمر يتعارض تمامًا مع عملها كمدافعة عن حقوق المرأة حيث تحول نفسها لسلعة تقايض بها رئيس البطلة، وهو ما يبين أن سيناريو الفيلم ينظر إلى المرأة بنظرة ذكورية تحولها إلى سلعة أو شيء لا كيان مستقل.


الضحك بسبب وبدون سبب

فيلم "حملة فريزر"
فيلم «حملة فريزر»

وبالتأكيد استمرت الأفلام الكوميدية الخفيفة التي يقبل عليها المشاهد المصري خاصة في موسمي عيد الفطر وعيد الأضحى –يغيب موسم الصيف هذا العام مرة أخرى بسبب حلول عيد الفطر في أول الصيف وعيد الأضحى بنهايته- والتي شهدنا منها أفلامًا جيدة نسبيًا مثل «كدبة كل يوم» و«حملة فريزر» و«كلب بلدي» و«الباب يفوت أمل» و«فص ملح وداخ» وأفلامًا سيئة في الأعم الأغلب مثل «عسل أبيض» و«أوشن 14» و«حسن وبقلظ» و«كنغر حبنا» و«تحت الترابيزة» و«صابر جوجل» وغيرها.

وأغلب هذه الأفلام لم تشهد تطورًا كبيرًا في النوع الكوميدي عدا حالات قليلة مثل «حملة فريزر» و«كلب بلدي» و«فص ملح وداخ» الذين دمجوا بين الكوميديا والخيال العلمي أو الفانتازيا، وهي خلطة قادرة على تقديم الكثير من الإفيهات والمواقف الكوميدية التي نجحت عبر الإخراج الجيد في توصيل حالة من البهجة لرواد دور العرض الذين يشترون تذاكر السينما في هذين الموسمين من أجل الضحك، وهو أمر يتسق تمامًا مع فكرة العيد نفسها بما يمليه من بهجة وحبور.

المعضلة في هذه الأفلام خاصة في عام 2016 هي أن أغلبها لم يقدم جديدًا على مستوى الفكرة أو المضمون؛ وذلك لأن هدفها الأساسي هو اقتناص الضحكة من المشاهدين لتستمر بذلك أفلام «إضحاك» المشاهد والتي ليس لها علاقة بالسينما، حيث يتحول الفيلم هنا إلى وصلات من الإفيهات والمواقف المثيرة للضحك، والتي ساعدها على النمو هذا العام انضمام مجموعة كبيرة من الممثلين إلى هذه الأفلام والقادمين من «مسرح مصر» الذي أسسه الفنان الكبير «أشرف عبد الباقي» والذي كان من الممكن أن يكون نعمة كبيرة للسينما المصرية لولا عدم الاختيار الصائب لهؤلاء الممثلين الجدد وتوظيفهم في أدوار لا تناسبهم إطلاقًا ولم تساعدهم على إخراج ما بداخلهم من طاقات تمثيلية مُبشرة.

ومن ناحية أخرى، شهدت هذه الأفلام فشلاً ذريعًا لنجوم مثل «محمد رجب» و«محمد سعد»، خاصة الأخير الذي استمر في صنع أفلام سخيفة تنفر جمهوره الذي عشقه في أفلامه الأولى، وكأنه بذلك يؤكد على وفاته فنيًا منتظرا أن يبعث من جديد، إلا أن إصراره على التحكم في عملية صنع أفلامه تؤكد أن هذا الاحتضار الفني سينبئ عن موت بلا رجعة.


الأكشن كغذاء للشباب

فيلم "الهرم الرابع"
فيلم «الهرم الرابع»

وتستمر السينما المصرية في تقديم أفلام الأكشن والإثارة ومنها بالتأكيد ما هو جيد مثل «من 30 سنة» بطولة «أحمد السقا» و«منى زكي» وإخراج «عمرو عرفة»، و«الهرم الرابع» تأليف وإخراج «بيتر ميمي»، وما هو سيئ مثل «نعمة» و«منطقة محظورة – قصر البارون» و«تفاحة حوا». ولكن الفيلم الأكثر أهمية من بين هذه الأفلام هو فيلم «الهرم الرابع» الذي يتناول عالم «الهاكر» وهو عالم جديد على السينما المصرية صاحبه اهتمام كبير بالحاضر والشباب خاصة بعد ثورة 25 يناير. وهو في هذه النقطة يختلف تمامًا عن الفيلم الذي حقق أكبر إيرادات في هذه المجموعة وهو «من 30 سنة» والذي استعان بممثلين كبار، بينما همش الممثلين الشباب فكانوا مجرد تحصيل حاصل في الفيلم. بينما الأصل في هذه الأفلام هو أنها تقدم للشباب عبر الشباب؛ ولذلك نجح محمد رمضان وحقق إيرادات كبيرة في أفلامه التي تتسم بالأكشن والإثارة.


رحيل خان وخفوت نجم الدراما

المخرج محمد خان
المخرج المصري «محمد خان»

بينما شهد هذا العام مجموعة من الأفلام الاجتماعية الدرامية مثل «قبل زحمة الصيف» آخر أفلام المخرج الراحل «محمد خان» و«من ضهر راجل» بطولة «آسر ياسين» وتأليف «محمد أمين راضي» وإخراج «كريم السبكي»، وفيلم «حرام الجسد» تأليف وإخراج «خالد الحجر»، وفيلمي «روج» و«شكة دبوس». لم يستطع أي فيلم من هذه الأفلام أن يرقى إلى تاريخنا الطويل من الدراما التي ميزت السينما المصرية لعقود طويلة، بل شهدت أغلب هذه الأفلام حالة من الاستخفاف بعقول المشاهدين وحسهم الفني ولهذا هجرها المشاهدون ولم يقبلوا عليها فكانت كأنها لم تكن.

ومع نهاية عام وبداية عام جديد، نرصد حالة من التطور في عدد الأفلام التي تميزت بالاهتمام بالفنيات؛ وذلك بسبب مجهودات أفراد وجماعات صغيرة لا شركات أو مؤسسات أو حتى الحكومة التي ما زالت بيروقراطيتها تعيق تمويل الأفلام التي قررت منذ فترة طويلة تمويلها. بينما يظل عدد الأفلام المنتجة كما هو عليه كالأعوام السابقة -لم يتخطّ 40 فيلمًا-؛ وذلك بسبب الحالة الاقتصادية عامة في البلاد، وخوف المنتجين من سوق السينما في مصر والذي أثبتت الإيرادات والإقبال السابق ذكرهما أن مخاوف المنتجين هي مجرد أوهام وأن السينما المصرية في تطور ملحوظ ومطّرد، وهو ما ننتظره أيضًا بعام 2017.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.