وبينما ضاق الشعب الفلسطيني ذرعًا من نزيف الدم الذي كاد يصفي جسد الحركة الوطنية الفلسطينية، استيقظ أهالي قطاع غزة في الرابع عشر من يونيو منذ تسع سنوات، ليجدوا أنفسهم أمام المشهد الأخير من مشاهد الاقتتال الدموي بين أبناء الشعب الواحد. فوسط عمليات اختطاف وقتل متبادل وفرار العشرات من عناصر الأجهزة الأمنية واختفاء مسؤولين أمنيين كبار بشكل مفاجئ، جاءت سيطرة حماس على قطاع غزة، لتطوي بذلك آخر صفحات مشاهد الدم، وإن بقي الصراع بين الطرفين قابعًا على أنفاس التحرر الوطني الفلسطيني، آخذا شكلا آخر يبدو محمومًا عما كانت عليه الأوضاع في السابق.


انتخابات 2006: عندما تضع الحرب أوزارها!

جاء فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، وحصدها لأغلبية المقاعد، ليمثّل بداية موجة من الاقتتال الداخلي بين حركتي فتح وحماس، فلم يتوقع أحد أن تتخطى حماس نسبة الـ 40% من الأصوات والمقاعد.حيث أن حركة فتح خاضت الانتخابات وهي مبعثرة الجهود، فَزِعَة من احتمالية فوز حماس، مما يعني ضياع السلطة من فتح بعد ثمانية وثلاثين عامًا قضتها الحركة في سدة منظمة التحرير والسلطة على حد سواء، مما جعلها تُحرِّض ضد حماس، وتُطلق تصريحات يشوبها نوع من الاستعلاء والعنترية، مثل «من العار أن تشارك فتح في حكومة تشكلها حماس»، و«سنسترد السلطة بأي ثمن».كما تصاعدت حدة التوتر بعد الانتخابات بين الحركتين بشكل متسارع على الجبهتين السياسية والأمنية، ونشبت مواجهات متكررة بين الأجهزة الأمنية والمجموعات المسلحة التابعة لكلا الطرفين، واشتكت حركة حماس من أن الأجهزة الأمنية التي تدين بالولاء لحركة فتح رفضت الخضوع لسلطة وزير داخليتها.

تفجرت شرارة الصراع بين فتح وحماس، مع إعلان أبو مازن إجراء انتخابات جديدة مبكرة.

وفي ظل التوتر الشديد الذي كان يسود العلاقات بين مؤسستي الرئاسة ومجلس الوزراء، أقدم أبو مازن في 16 ديسمبر 2006 على إلقاء خطاب أعلن فيه إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة، مما يعني إقالة الحكومة المنتخبة. والذي زاد الأمور تعقيدًا أن أبو مازن برر خطوته هذه بالاستناد إلى المادة التي تنص على أن «الشعب مصدر السلطات»، الأمر الذي ظهر غير مقنع، لأن الشعب هو من اختار حركة حماس عبر صناديق الاقتراع.وقد شكَّل خطاب أبو مازن، نقطة تحول دفعت بالساحة الفلسطينية للموجة الأولى من الاقتتال، التي أسفرت عن مقتل 117 شخص، وجرح 655، ومن بين القتلى عشرة من الأطفال، كما تم في هذه الموجة استهداف 39 مؤسسة، منها 15 حكومية، و6 أهلية، وواحدة دولية، والباقية مؤسسات خاصة.ولا شك أن هذه الأحداث جاءت نتيجة لتراكمات بين الطرفين تعود جذورها إلى تسعينيات القرن العشرين، فجذور الخلاف بين حركتي فتح وحماس في الأساس بسبب المرجعيات الأيديولوجية المختلفة لكل منهما، حيث تحوّلت حركة فتح إلى التأكيد على نهج التفاوض مع إسرائيل لحل القضية الفلسطينية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، بينما تتمسك حركة حماس بنهج الكفاح المسلح.وعقب تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، تنفيذًا لاتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينة وإسرائيل، رفضت حماس نهج السلطة، وأبت التوقف عن العمل العسكري ضد إسرائيل، وهو ما جعلها تصطدم مع حركة فتح التي أدارت السلطة الفلسطينية، حيث شنت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، خلال الفترة ما بين 1996 و2000 حملات اعتقال واسعة ضد قادة ونشطاء حركة حماس. هذه الاعتقالات وما تخللها من أعمال تعذيب غير مسبوق (أفضت إلى استشهاد بعض القادة تحت التعذيب، أبرزهم محيي الدين الشريف القيادي في القسام)، لا يبررها قول محمد دحلان بأن الاعتقالات والتعذيب تمت بقرار سياسي من عرفات.ولا شك أن هذا التعنت الذي قامت به السلطة منذ البداية، غرس بذور العنف في العلاقة بين الطرفين، والتي استمرت بعد ذلك حتى وصلت إلى مرحلة الاقتتال الدموي بين الطرفين.


هكذا تجرعت حماس مرارة الفوز!

وقبل الخوض في تفاصيل أسباب قيام حماس بالسيطرة على قطاع غزة، لابد أن نتطرق إلى المحاولات الدؤوبة من قِبل العدو لإسقاط حماس، وتنحيتها عن السلطة.فعقب صعود حماس إلى السلطة نتيجة فوزها فى الانتخابات التشريعية، فرضت الجهات الدولية المانحة حصارًا ماليًا على الشعب الفلسطيني وحكومة حماس، وتحولت المساعدات المالية التي كانت تقدمها لدعم ميزانية السلطة إلى مساعدات لأغراض أخرى ضمن آليات محددة.

حاولت الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية فرض حصار مالي على حماس بعد وصولها للحكم.

فجاء قرار إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بتقديم مبلغ 86.4 مليون دولار لقوات الأمن الموالية للرئيس أبو مازن. وبررت الإدارة القرار بأنه جاء لمساعدة الأجهزة التابعة لأبو مازن بالوفاء بالتزامات السلطة الخاصة بتفكيك البنى التحتية للارهاب في الضفة الغربية وقطاع غزة.وذكرت صحيفة هآرتس بتاريخ 28 ديسمبر 2006 أن إسرائيل قد سمحت لمصر بنقل الآلاف من قطع البنادق الرشاشة لأجهزة الأمن التابعة لأبو مازن، حيث تم نقل 2000 بندقية من طراز كلاشينكوف، وعشرين ألف مشط ذخيرة، ومليوني طلقة لأسلحة خفيفة، وتم نقل السلاح والذخيرة عبر معبر «كرم أبو سالم»، الذي يقع شرق معبر رفح وبتنسيق بين كل من مصر وإسرائيل وأجهزة السلطة الأمنية.


إليوت أبرامز: كيف كشّرت أمريكا عن أنيابها

لم يقتصر دور الولايات المتحدة في إسقاط حماس من السلطة على منع المنح المالية لسلطة حماس وحسب، بل كانت هناك خطط مدروسة لتحقيق هدف الإسقاط. وتعتبر خطة إليوت أبرامز، نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي، من أخطر وأهم الخطط التي وضعتها الإدارة الأمريكية لإسقاط حكومة حركة حماس، وكل الخطط التي بُلورت في أعقابها تعتمد عليها.وقد كشف النقاب عن هذه الخطة شخصيتان أمنيتان بارزتان، وهما أليستر كروك، المنسق الأمني السابق للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط، ومارك بيري، وهو جنرال أمريكي متقاعد. وتقضي الخطة بتسليح وتدريب مقاتلي فتح ليواجهوا مقاتلي حماس في شوارع غزة والضفة الغربية، من أجل التخلص من حكومة حماس وإعادة السلطة بشكل تام إلى حركة فتح، بمساعدة الأجهزة الأمنية التي تخضع لسيطرة محمد دحلان.كما تضمنت الخطة إقامة مراكز تدريب لعناصر الأمن الموالية لأبو مازن في كل من رام الله وبالقرب من أريحا. ووفقًا لبنود الخطة، فقد قامت كل من مصر والأردن بتزويد عناصر الأمن التابعة لأبو مازن بالسلاح. وكما يؤكد كروك وبيري، فقد قام أبرامز بوضع الخطة مع مجموعة من مسئولي البيت الأبيض، وبمشاركة فاعلة من محمد رشيد، المستشار الاقتصادي للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي يعتبر من المقربين إلى دحلان.ويضيف التقرير أن كوندليزا رايس عملت على توفير الأجواء لتطبيق الخطة من خلال الظهور بمظهر القلق من انتشار الفوضى في الأراضي الفلسطينية، وذلك لإظهار عجز حماس بما يتناسب مع خطة أبرامز.فيما أكد فولف راينهارت، المحلل السياسي الألماني، أن الإدارة الأمريكية خططت منذ فترة طويلة لتفجير الأوضاع الداخلية الفلسطينية، وتحريض تيار موال لتلك الإدارة في فتح على تصفية القادة العسكريين الحمساويين، جسديًا.وقد تحدث في ذلك صراحة الجنرال كيت دايتون، مسئول الاتصال العسكري الأمريكي، المقيم في تل أبيب، أمام لجنة الشرق الأوسط، في الكونجرس الأمريكي، أواخر مايو 2007، حيث أكد دايتون للجنة أن للولايات المتحدة تأثيرًا قويًا في شتى تيارات فتح. وبشّر دايتون بأن الأوضاع ستنفجر قريبًا يى قطاع غزة على نحو مروع بعد أن ألقت كل من وزارة الدفاع الأمريكية والمخابرات المركزية بثقلهما إلى كافة حلفاء الولايات المتحدة داخل فتح، وأن الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية التابعة لعباس قد عُبئت تمامًا ضد حماس.


اليوم يوم الملحمة.. اليوم تُستحل الحرمة!

عملت الولايات المتحدة على تدريب وتسليح مقاتلي فتح في مواجهة مقاتلي حماس.

على خلفية هذه المخططات، وبعد فشل «اتفاق مكة» الذي تم برعاية القيادة السعودية على أثر الاقتتال الأول بين الحركتين، اندلعت شرارة الموجة الثانية من الاقتتال الداخلي بتاريخ 13 مايو 2007، بعد اغتيال ناشطين من حركة فتح في بلدة «بيت لاهيا». وعلى الرغم من نفي حركة حماس أي مسئولية لها عما حدث، جاء رد قوات أمن الرئاسة وتنفيذية فتح وعناصر جهاز الأمن الوقائي عنيفًا وغير مسبوق. ونصب المسلحون الحواجز، وقاموا بإيقاف السيارات، حيث تم إنزال كل من له لحية وإطلاق النار عليه.وفي يوم 14 مايو تم إعدام 15 من عناصر حماس، وإصابة 56 منهم، فتحركت حماس وجهازها العسكري للرد، فتم اقتحام منزل رشيد أبو شباك، مدير الأمن الداخلي، وقتل ستة من حراسه، وظلت الاشتباكات تتواصل حتى يوم 4 يونيو، حيث تم التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار بين الجانبين برعاية الوفد الأمني المصري.وقد كان واضحًا أن اتفاق وقف إطلاق النار لن يصمد طويلا، فلم يمر يوم دون أن تتم عملية اغتيال لناشط من حماس أو فتح، وتدهورت الأمور بسرعة باتجاه المواجهة الحاسمة، حيث وجدت حماس أن هناك مماطلة في منح حكومتها أي صلاحيات أمنية، وتمردت الأجهزة الأمنية على وزير داخلية حماس. كما تسارعت وتيرة الانفلات الأمني.ووجدت حماس أن جناحها العسكري يتم استنزافه في كل موجات الاقتتال التي جرت مع حركة فتح. وإذا استمر الأمر على هذا المنوال سيضعفها أمام العدو الصهيوني وأمام فتح أيضًا، فلم تجد مفرًا سوى أن يضع الجهاز العسكري لها «كتائب عز الدين القسام» خطة عسكرية شاملة للسيطرة على مقار الأجهزة الأمنية. وشكّل هذا الحدث علامة فارقة في التاريخ الفلسطيني الحديث، حيث انقسمت أراضي الحكم الذاتي الفلسطيني إلى جزئين، الأول في الضفة الغربية، تديره حركة فتح، والثاني في قطاع غزة، تديره حركة حماس.وفي يوم الحسم الموافق 14 يونيو لعام 2007، استباح كل طرف من الأطراف المتصارعة دم الآخر، وصدر من الطرفين تجاوزات بشعة، راح ضحيتها 161 شخصًا، بينهم 41 مدنيًا، منهم 7 أطفال، و11 امرأة، فيما جُرح أكثر من 700 مواطن، عشرات منهم بإصابات دائمة.

وعلى الرغم من المحاولات العديدة التي جرت من أجل المصالحة بين الطرفين على مدار تسع سنوات، إلا أن الرصيد التاريخي للخلافات كان دائما يحول دون رأب الصدع بينهما، فهل كان الحسم هو السبب الرئيسي في شق الصف الفلسطيني، أم أنه كان العامل الكاشف عن عمق أزمة تاريخية نشأت مع توقيع اتفاق أوسلو؟

المراجع
  1. عبد القادر ياسين، "فتح وحماس صراع الديكة.. أم تصادم مناهج"، (القاهرة: جزيرة الورد، 2011)، ص 51-53.
  2. "أحمد يوسف يعتبر أن الحسم العسكري في غزة حمى المشروع الوطني الفلسطيني"، موقع وكالة فلسطين اليوم الاخبارية، 14 يونيو 2009.
  3. "فتح وحماس.. الانقسام والمصالحة"، موقع بوابة الشرق، 24 إبريل 2014.
  4. "حكومة التوافق تصطدم في غزة بحصاد 7 سنوات عجاف"، موقع مكة المكرمة، 28 مايو 2014.
  5. "حماس تعلن سيطرتها على مفاصل قطاع غزة ومقتل 33"، موقع اليوم، 14 يونيو 2007.
  6. عادل الزعنون، "سيطرة حماس على غزة: عام مثقل بالآلام والمتاعب"، موقع جريدة الوسط، 13 يونيو 2008.
  7. "ليلة سقوط غزة في قبضة حماس"، موقع دوت مصر، 14 يونيو 2015.
  8. محسن محمد صالح (محررًا)، "قراءات نقدية في تجربة حماس وحكومتها 2006-2007"، بيروت، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، ص 77–81.
  9. عبد الغني سلامة، "حصاد ستة أعوام من حكم حماس"، موقع مجلة شؤون فلسطينية، عدد 253-254.