لقد أتيتكم بشريعة الضحك، فيا أيها الإنسان الأعلى تعلم كيف تضحك
الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه على لسان نبيّه الفارسي زرادشت

رغم أن هناك مأثورات تراثية تذم كثرة الضحك، فإنه كان ولا يزال من الأفعال البشرية المثيرة لاهتمام الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع، بل وربما الساسة والاقتصاديين أيضًا؛ لما يمثله الضحك من دلالات تتجاوز فكرة الهزل إلى التأثير في المجال العام، وتعزيز الثقافات، والترابط بين المجتمعات.

فالضحك عملية اجتماعية، من خلالها يحافظ المجتمع على قيمه، ويطرد من خلالها القيم الغريبة عليه؛ فهو وسيلة لتماسك المجتمعات، سواء المجتمعات العامة كالدول، والمجتمعات الصغيرة كدائرة الأصدقاء، وهو كذلك وسيلة مقاومة لضغوط المجتمع السياسية والاقتصادية والدينية والموروثات التقليدية.. وهذا ما نرصده في سطورنا التالية.

أنت تضحك: إذًا لست وحدك

لن تستطيع أن تضحك إن كنت وحدك، وحتى ولو ضحكت وأنت وحدك فأنت لست وحدك لأن شخصًا أو جماعة أو موقفًا له/ا ما تذكرته/ا فجعلك تضحك، ولذلك فأنت حين تضحك لست وحدك.

ويرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي هنري برجسون أن الإنسان الانطوائي أو الذي يعيش في عزلة تامة، ويحيا وحيدًا لا يستطيع تذوق النكتة أو يُقدّر الكوميديا كالشخص الاجتماعي؛ فالضحك بطبيعته ظاهرة اجتماعية.

ورغم اجتماعية فعل الضحك، فإنه لا يحيا إلا في دائرة مغلقة، كما يصفه برجسون؛ لأنه فعل جماعة معينة من الأفراد، تفهم بعضها جيدًا.

مثلًا حين تركب القطار أو تجلس في المقهى وبجوارك مجموعة أصدقاء يضحكون، فأنت في الغالب لن تفهم ضحكهم، وإن فهمته قد لا تضحك لأنك غريب عنهم، وقد تريد الحفاظ على وقارك أمامهم، أو لا يصح أن تقتحم خصوصيتهم.

وبجانب ذلك فقد لوحظ أن من شأن الوسط الاجتماعي أن يعمل على تنويع النكتة ويرفع مستواها الفكاهي، عن مجتمع آخر؛ ففي حين تكون مجموعة متأهبة لسماع نكتة تُعلِي قهقهات أفرادها، فتخرج من لسان قائلها بشكل سخيف أو أقل من المستوى المتوقع، فلا يضحك الحاضرون، وقد يتلقفها أحد الحاضرين ويطورها أو يرد عليها فيضحكون.

ومن عوامل نجاح النكتة أسلوب راويها أو ملقيها وكاريزميته بين أصدقائه؛ فقد تضحك المجموعة حين يقول النكتة أحدهم، ولا يضحكون حين يقولها آخر، بل قد ينقلب الضحك عليه، وبدلًا من أن يكون هو الذي يُضحِكهم يتحول إلى شيء يضحكون عليه.

والنكتة عمومًا تفترض وجود شكل من أشكال التماسك الاجتماعي أو مشاركة نفسية، بين الشخص الذي يرويها والشخص الذي يستمع إليها، لأنه لولا هذا التماسك أو هذه المشاركة النفسية لما كان في وسع صاحب النكتة أن ينجح في الوصول لهدفه، بحسب ما يرى رائد التحليل النفسي سيجموند فرويد.

ومن هذا المنطلق فإن الاشتراك في الضحك من نكات معينة هو الدليل الأكبر على الاشتراك في عقلية واحدة، أو الانتماء إلى فصيلة نفسية واحدة أو لوسط اجتماعي مشترك.

فالشخص الذي لا تُضحِكه سوى الدعابات الماجنة والنكات البذيئة، قد لا يضحك على النكات السياسية ويعتبرها ثقيلة الظل عليه، والعكس، وقد يكون نفس الشخص متعدد الاهتمامات الاجتماعية ويضحك على أنواع مختلفة من النكات، بحسب ما نفهم من فرويد.

وعلى صعيد متصل، فإن نفس الجمهور لا يضحك لنفس الأشياء دائمًا ولا بنفس الطريقة، بل يسهم في إنجاح الضحك عوامل مختلفة، تؤكد أن الضحك فعل اجتماعي يتأثر بمؤثرات مجتمعية تهيمن على الأفراد المجتمعين في وقت ما، بحسب ما نفهم من برجسون.

وسيلة للتقارب: هل فهمت ما أفهمه؟!

لكنك وأنت في القطار أو المقهى قد تندمج مع المجموعة التي تجلس بجوارك، ويشركونك في ضحكهم، إن كانت هناك متشابهات بينكم، ولذلك فإن الضحك وسيلة للتقارب.

وقد يحدث أن يحدثك شخص كذوب، ويحكي عن بطولاته الوهمية، ولا يريد التوقف، وأنت تريد الضحك لأنك تعلم أنه كاذب، ولكن الآداب العامة تمنعك من الضحك.

في هذا التوقيت قد يكون هناك آخر يجلس معكما ويسمعه مثلك، ويريد أن يضحك هو الآخر ولكنه يكتم ضحكه، وهنا يحدث التقارب بينك وبين هذا الشخص الذي يريد الضحك، فتتبادلا النظرات وتلمع عيونكما، وتتحد مشاعركما تجاه هذا الكذاب، بحسب ما يرى أستاذ الفلسفة الدكتور زكريا إبراهيم.

هذا يعيدنا إلى فكرة الروح الاجتماعية أو الجماعية في الضحك، التي يراها الفيلسوف البلجيكي يوجين دوبريل Dupreel، أكبر من مجرد عدوى عاطفية تنتقل من شخص لآخر، ولكنها شيء أكبر من ذلك؛ فهي استعداد مشترك لدى الأطراف الضاحكة يسبق فعل الضحك نفسه.

ويرى دوبريل أن هناك نوعين من الضحك، أحدهما ضحك الترحيب والتلاقي، وضحك الطرد والاستبعاد، معتبرًا أن هناك قوانين للجاذبية بين الأطراف الضاحكة، تسري فيما بينهم؛ فإما أن تكون هناك مشتركات جاذبة، أو اختلافات منفرة.

فالضحك الطارد يُعَبر بطريقة حادة عن حيوية الجماعة في وقوفها صفًا واحدًا ضد ذلك المختلف عنها، تتغمز وتتلمز عليه وتسخر منه لاختلافه عنها، وتبين له أنه غير مرحب به.

والشخص الذي تسخر منه الجماعة قد لا يكون مضحكًا في ذاته، وإنما مضحك لأنه خارج عن الجماعة التي يلتقيها أو يجالسها أو يحتك بها، التي تمتلك قيمًا تختلف عنه.

أما الضحك الترحيبي فهو التجاوب الذي يحدث بين طرفين أو أكثر تجاه نفس الشيء، فيعتبر الضحك الذي يحدث استجابةً لحديث أحدهم بمثابة ترحيب به، وبقبوله بين أعضاء المجموعة.

ولكن قد يحدث أن يتحول الضحك الطارد إلى ضحك ترحيبي؛ فهذا الشخص الغريب الذي يدخل على المجموعة الجالسة في القطار مثلًا، وتسخر منه المجموعة، قد يبدي تجاوبًا مع ضحك المجموعة، بتصرف يعبر عن انتمائه لقيمهم، فتستوعبه ويتحول الضحك منه إلى ضحك معه، بحسب ما يوضح دوبريل.

الضحك وسيلة عقابية: سيف على رقاب الخارجين

الضحك سيف قد تسلطه الجماعة على رقاب الخارجين على معاييرها وآدابها العامة، وكل من تحدثه نفسه بالخروج على قوانينها.

فحين يشذ شخص عن القاعدة المجتمعية، بأن ارتدى -مثلًا- ثيابًا غير مناسبة للمكان أو الزمان أو التقاليد، فسيصبح عرضة للتهكم والسخرية من أفراد المجتمع، بحسبما يرى عالم النفس الإنجليزي جيمس سولي.

وكثيرًا ما نشاهد على السوشيال ميديا سخرية من شخصيات عامة لارتدائهم ملابس غير مناسبة، حيث يهب المجتمع ليدافع عن تقاليده المتوارثة، وتكون الوسيلة الدفاعية هي الضحك على هذا الفنان أو السياسي أو الإعلامي… إلخ.

وفي هذا يقول سولي:

 إن الضحك عامل صراع يساعدنا على أن نجاهد في سبيل استبقاء الحياة الجمعية على ما هي عليه، لأنه يسمح لكل جماعة بأن تحافظ على كيانها في حدود تقاليدها وعرفها.

الضحك العقابي له صبغة متطرفة في انفعالها، ولكن قد يكون له طبيعة إصلاحية أيضًا (من منظور المجتمع)، فهو حين يسخر من شخص شَذَّ عن قواعد المجتمع أو أهان قيمه، فهو في الوقت ذاته يرسخ لهذه القيم، ويعمل على إعادة هذا الشذوذ إلى وضعه الطبيعي، بحسب سولي.

والعكس قد يحدث بأن تكون السخرية أداة تقدمية، للخروج على قيم بالية يراها جماعة من الناس أو أغلب المجتمع متخلفة، وهنا تصبح السخرية أداة فتاكة لمواجهة هذه القيم القديمة.

والأمثلة هنا كثيرة؛ فقد تسخر جماعة تقيم بالمملكة العربية السعودية من شخص يهاجم قيادة المرأة للسيارة، وذلك بعد السماح لها من الحكومة بذلك.

ومن أوقع الأمثلة على ذلك سخرية الرئيس المصري جمال عبد الناصر من مرشد جماعة الإخوان، حين طلب منه أن يفرض ارتداء الحجاب على نساء مصر، بحسب ما قال ذلك الرئيس المصري في خطاب له، وتفاعل السامعون للخطاب وضحكوا.

والضحك عمومًا له علاقة وثيقة بالقيم المنهارة في المجتمع من ناحية، والقيم المقدسة التي تحترمها وتبجلها الجماعة من ناحية أخرى، بحسب ما يرى الكاتب الفرنسي المتفلسف كارلوس لالو.

فالمجتمع الذي يقدس النظام العائلي والحياة الزوجية، لا يسمح لأفراده أن يجعلوا من الخيانة الزوجية موضوعًا كوميديًا، ولكن هذه الخيانة قد يقابلها مجتمع آخر بالفكاهة.

والمجتمع الذي يحترم شخص الحماة ويضع بيدها الكثير من السلطات كما الصين، لا يمكن لأفراده أن يتخذوا منها موضوعًا للسخرية كما يحدث في مصر مثلا، ومن ينسى فيلم الفنان إسماعيل يس «حماتي قنبلة ذرية» وأفلام أخرى على نفس الوتيرة.

الضحك كوسيلة للمقاومة: الثأر السلمي للضعفاء

من أهم وظائف الضحك استخدامه من قبل ضعفاء المجتمع لمقاومة الأقوياء من أصحاب السلطة، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الإدارية، أو الدينية أو الاجتماعية.

ويصف سولي الضحك في هذه الحالة بأنه: الثأر السلمي العادل لجماعة الضعفاء، ويصبح ضحكهم أمضى سلاح في مواجهة صاحب السلطة الذي يمتلك القوة.

وهذا الرأي يدعمه ما قاله سيجموند فرويد، الذي يرى أن الضحك أحيانًا يكون بمثابة مقاومة لرقابة المجتمع الذي يفرض ضوابط على سلوك الإنسان في كل ظرف يعيشه.

الأمثلة هنا كثيرة، فما أكثر من يسخرون على خطابات رؤساء دول، أو رؤساء عمل، أو رجال دين على السوشيال ميديا، نظرًا لأنهم لا يستطيعون مقاومتهم بفعل أقوى من ذلك، فيكتب أحدهم أو ينشر منشورًا ما، ليجتمع على هذا المنشور الضاحكين، من المعلقين والمتفاعلين.

ويمثل الضحك هنا تنفيسًا عن النفس المكبوتة؛ فالضحك عند فرويد بمثابة تنفيس للطاقة التي عبأتها النفس بشكل خاطئ أو بتوقعات كاذبة.

وعمومًا يعتبر الصراع الطبقي والكبت الجنسي، والفقر، والحروب، من أهم أدوات خلق النكات والفكاهة، كوسيلة للمقاومة، وتزداد أصالة النكات بالثقافة العميقة المختزنة في الوعي الجمعي للشعوب الساخرة، بحسب ما يرى زكريا إبراهيم.

هذا الكبت الذي ينفجر ضحكًا أنتج فنونًا، ومن أهمها فن الكوميكس والكاريكاتير أو الرسوم الساخرة، التي تمثل وسيلة مقاومة قوية ضد السلطات الاستبدادية عمومًا.

والأهم أن هذا الفن الفكاهي يستخدم أسلوب النقد المستتر المخفي ضد السلطة، بحيث لا تستطيع هذه السلطة إدانة الفنان قانونًا، وفي الوقت نفسه ولكن يدرك أفراد المجتمع جيدًا المعاني الكامنة في هذه الرسوم ويتفاعل معها، بحسب ما يوضح البروفيسور جاكوب هيغيلت Jacob Høigilt، أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوسلو.

ويري جاكوب أن المناخ الاستبدادي محفز على الضحك والفكاهة، أكثر من المناخ الحر، ويساعد على نمو مهارات الفنان الساخر، الذي يستخدم أدوات رمزية في رسومه.

المراجع
  1. دراسة بعنوان: How comics can make the Arab world a better place، لـ Jacob Høigilt.
  2. دراسة بعنوان: le Rire: Essal sur la signification du comique، لـ Henri Bergson
  3. دراسة بعنوان: An Essay on laughter، لـ James Sully
  4. دراسة بعنوان: Le probleme Sociologique du Rire، لـ Eugène Dupreel
  5. دراسة بعنوان: wit and its relation to the unconscious، لـ Sigmund Freud
  6. دراسة بعنوان: Esthetique du Rir، لـ Charles Lalo
  7. دراسة بعنوان: سيكولوجية الفكاهة والضحك، لزكريا إبراهيم