أثبتت سنن الكون أن الثابت الوحيد فوق هذه البسيطة: هو التغيير. لا مبدأ ثابت بلا تحول، من المؤكد أن أحداثًا ما ستحدث في واقعك تجعلك إما تُعدل من ذاك المبدأ وإما أن تجعله أكثر مرونة. النباتات يُفرض عليها الانحناء -أحيانًا- حتى تواكب شدة الرياح، والإنسان كذلك. لكن ما الذي يُمكن أن يُحول أحد الرياضيين إلى قاتل متعمد بين ليلة وضُحاها؟ كيف يُمكن أن يتحول إلى منصة المحكمة كمتهم، بعد أن كان فوق منصات التتويج؟

في الليلة التي سبقت عيد الحب من عام 2013، قرر العداء الجنوب أفريقي «أوسكار بيستوريوس»، صاحب أول مشاركة لأحد متحدي الإعاقة ومبتوري الأقدام داخل الألعاب الأوليمبية، أن يجعل ليلة صديقته «ريفا ستينكامب» مميزة وألا تكون مثل باقي الليلات؛ فأهداها 4 طلقات أودت بحياتها.


أزمة كبرى منذ الولادة

«أوسكار ليونارد كارل بيستوريوس»، المولود في عام 1986 بمدينة جوهانسبرج، جنوب أفريقيا. البطل الذي كان قد حصل على ذهبيات عدة في ظل سباقات بارالمبية دولية ومحلية،ولد لأبوين هم «هينك» و«شيلا بيستوريوس» كان هو مولودهم الأوسط من بين ثلاثة أبناء. عاشوا جميعًا في ظل مستوى مادي متوسط داخل الدولة الأفريقية.

شُكِلَت طفولة «بيستوريوس» بجانب كبير من الدراما الحزينة. انفصل والداه عندما كان في السادسة من عمره، وهو الشيء الذي جعل علاقته بوالده_الذي كان يعمل كرجل أعمال_ متوترة إلى حد بعيد. ومن ثم توفيت والدته بعد ذلك بـ9 سنوات، حينما كان يبلغ خمسة عشر ربيعًا. كان ذلك نتيجة جرعة زائدة من الدواء بعد عملية استئصال تمت للرحم.

كان قد عانى العداء البارالمبي من مشاكل بدنية عند الولادة، حيث اكتشف والداه أنه قد وُلد بدون عظمة الشظية كعيب خُلقي. بعدها قد اتخذ والداه القرار الأصعب ببتر جزء كبير من قدميه، من بعد الركبة مباشرة، حتى يعيش طوال حياته بنصف قدم بعد أن أن يتم سنته الأولى في هذا العالم.

أوسكار بيستوريوس, العداء الجنوب أفريقي, عظمة الشظية
ولادة «أوسكار» بدون عظمة الشظية.

العيش بنصف قدم جعله يعاني من مشاكل نفسية واجتماعية عديدة؛ أهمها أنه قد مُنع من المشاركة في رياضتي الكريكيت والملاكمة. حتى بالرغم من أنه كان يسير بشكل سليم مُعتمدًا على أرجل صناعية بعد مرور ستة أشهر فقط من عملية البتر. لكن ذلك العائق لم يستمر طويلًا، لكنه قد كُسر تمامًا في عامه السادس عشر. كان يحتاج «أوسكار» إلى إحدى الرياضات لمساعدته في التعافي من إحدى الإصابات التي ضربته خلال ممارسته لرياضة الرجبي. في هذه اللحظة، اكتشف طريق المضمار كأحد العدائين.

رحلة الجنوب أفريقي خلال رياضة العدو كانت تشهد ارتفاعًا سريعًا وملحوظًا، وفي يناير/كانون الثاني من عام 2004، تنافس في أول سباق 100 متر للركض لمتحدي الإعاقة. وبعد شهورٍ قليلة، وباستخدام أرجله خفيفة الوزن المُصنعة من مادة الكاربون«الفيبر»، استطاع الفتى صاحب الـ16 عامًا أن يحصل على ذهبيته الأولى في سباق 200 متر والذي أُجري في أوليمبياد أثينا عام 2004.


الإنجاز الأوليمبي الأعظم

نتيجة للإنجاز الذي حققه في منافسات أثينا، شارك العداء المُتوج بالذهب في العديد من السباقات في منافسة رجال أصحاء أو بالأحرى كاملي الأرجل. الحدث الذي كان يجذب العديد لمتابعته حول العالم، والذي دفع العديد من منظمي السباقات الأوروبية لدعوة «أوسكار» من أجل المشاركة في سباقاتهم والتي يخوضها عداؤون بأرجل سليمة. لكن العائق الذي كان يمنعه من الحياة في يومٍ من الأيام، جعله في موضع اتهام لأول مرة، حين منعه الاتحاد الدولي المنظم للعبة من المنافسة تحت شك بأن قدمه الصناعية تلك تُعطية ميزة غير عادلة عن كل المتنافسين حوله، أو تحت بند عدم تكافؤ الفرص.

لقد كان حدثًا لا يصدق. الأمر نادر جدًا، كنت أبتسم بشدة قبل بداية السباق.

تعليق للعداء الجنوب أفريقي، أوسكار بيستوريوس، على مشاركته التاريخية في أولمبياد لندن عام 2012.

سُرعان ما تم الاستئناف على الحكم الصادر في عام 2007، وتم تبرئة العداء البارالمبي من التهمة موضوع الشك من قبل محكمة التحكيم الرياضي، وعاد مرة أخرى للمنافسات في مايو/آيار لعام 2008، لكن كان ذلك بعدما فقد فرصة تحقيق حلمه الذي لطالما راوده منذ مشاركته الأولى كعداء وهو: المشاركة في أولمبياد بكين التي أُقيمت في صيف نفس العام. لكن لم يُحبط -ذلك- هممه، وجعل تركيزه يزيد نحو المشاركة في الدورة التالية من الأولمبياد في عام 2012.

بدأ «بيستوريوس» في استعداده نحو الأولمبياد بشكلٍ مُكثف، وحصل خلال تلك الرحلة على 3 ميداليات من الذهب في المنافسات العالمية للسباقات البارالمبية من عام 2011، وأتبعهم باثنتين أخريين في سباق 400 و100 متر بكأس العالم لمتحدي الإعاقة. الجميع بدأ في إطلاق الألقاب على ذلك الفذ الذي لا يعيقه أي شيء، فتارة يُسمى بـ«العداء الشفرة» وتارات يُطلق عليه «أسرع رجل بدون أقدام». عجّل كل ما سبق من تحقيق حلم الطفولة بالنسبة إليه وجعله قاب قوسين أو أدنى.

في ربيع عام 2012، حقق «ليونارد» حلمه الأبدي، وتأهل إلى سباق 400 متر عدو في أولمبياد لندن. وبالرغم من خروجه من جولة نصف النهائي، لكنه كان قد أمن موقعه في التاريخ، كأول رياضي مبتور القدمين يتنافس على مضمار واحد مع ذوي الأرجل الكاملة داخل المنافسات الأولميبية. حاول حينها أن يوثق الحدث فدعا جدته التي كانت تبلغ 89 عامًا في هذه الأثناء كي تشاهده وهو يحقق أغلى حلم لديه.


من بطل وقدوة إلى قاتل ومُتهم

اعتراف بإطلاق النار، لكن عن دون قصد، يتصدر الصحف في جنوب أفريقيا.
اعتراف بإطلاق النار، لكن عن دون قصد، يتصدر الصحف في جنوب أفريقيا.

منتصف فبراير/شباط لعام 2013، خرجت المتحدثة الرسمية باسم الشرطة في جنوب أفريقيا، «كاتليجو موجالي» لتُعلن عن أنه تم القبض على رجلٍ في السادسة والعشرين من عمره، لكن لا يمكن الإفصاح عن هويته في الوقت الحالي لأنه قيد التحقيق ولم يمثل أمام المحكمة بعد. ثم أردفت: «يُعتقد أن الضحية كانت صديقته الحميمة». تُبعت هذه الأخبار بأخرى تُفيد بالعثور على جثة بمنزل العداء الجنوب أفريقي «أوسكار بيستوريوس» ومن ثم القبض على الرياضي المشهور وفقًا لهذا.

عادت «موجالي» لتؤكد بعد عدة أيام، أنه تم العثور على مسدس من نفس نوع الطلقات الموجودة في جثة عارضة الأزياء «ريفا ستينكامب»، صديقة العداء الحميمة. كما أوضحت أن التحقيقات الأولى تُفيد بحدوث الجريمة في غضون الرابعة من صباح يوم الحب 14 فبراير/شباط -الثانية صباحًا- بتوقيت جرينيتش. لم يكن هناك أي فرد بالمنزل سواهما. بعد فحص الجثة، تبيّن أنها قد تلقت 4 طلقات في أماكن متفرقة من جسدها: في الرأس واليد اليُمنى.

بعد خمسة أيام من جريمة القتل، اعترف «العداء الشفرة» بأنه قد أطلق النار بالفعل داخل الحمام، ولكنه لم يكن يعلم أن بداخلها «ريفا» وأن ذلك تم لأنه شك في أن يكون هنالك أحد المتطفلين أو اللصوص داخل المنزل قد دخل عن طريق النافذة الموجودة بالحمام. وفقًا للحكاية التي قد رواها بنفسه، أنه قد تناول العشاء رفقة صديقته ليلًا، بعد ذلك اتجها إلى غرفة النوم وكان يُجري محادثة مع أحد أقاربه، في حين كانت «ستينكامب» تقوم ببعض تمارين اليوجا.

بعد ذلك كانا معًا على الفراش قبل أن يتجه «أوسكار» من أجل تعديل وضعية المراوح الموجودة في الغرفة وتحديدًا عند النافذة، ومن ثم اتجه مباشرة إلى الحمام ليكتشف به حركة غريبة في حد تعبيره؛ فعاد سريعًا من أجل إحضار مسدسه الشخصي ثم أطلق 4 طلقات من خلف الباب، وعاد بعدها لإحضار أرجله الصناعية ليكتشف أن من كانت بالحمام هي «ريفا». حاول إسعافها لكنها ماتت بين يديه كما أكّد. في تلك الجلسة وُجهت تهمة القتل إلى العداء ووضع إثرها في السجن.

وصف بالرسم لمسار حركة «أوسكار» في وقت الجريمة أثناء شهادته في المحكمة.


المحاكمة وظهور أدلة جديدة للإدانة

في مارس/آذار من عام 2014، بدأت محاكمة «بيستوريوس» بتهمة القتل العمد، وفيها استمعت المحكمة لشهادة أحد جيرانه بالسكن والتي أكدت أنها استمعت لصريخ وشجار في مساء نفس الليلة التي تمت فيها الجريمة. أوضحت أنه كان لسيدة في البداية ومن ثم تُبع بطلبٍ للنجدة من رجل، تكرر ثلاث مرات. شخصت ذلك النيابة العامة بأنه كان هناك شجارًا بين الضحية والمُتهم بالقتل قبل ساعاتٍ قليلة من الواقعة، والتي تمت الجريمة على إثره. بعدما دخلت القتيلة إلى المرحاض للبكاء ربما.

في تقريرٍ للطب الشرعي والذي قام بتشريح الجثة، أكد أن المثانة البولية للقتيلة كانت فارغة تمامًا، ووفقًا لشهادة المتهم فإنهما قد تناولا الطعام قبل الواقعة بحوالي ساعتين. الطب يشرح هُنا بأن المثانة تُملأ بـ 60 مليلترًا في كل ساعة، ما يعني أن وجود المثانة فارغة ليس له أي تفسير إلا أن القتيلة قد تبولت لتوها قبل القتل مباشرة.

هيئة الدفاع الخاصة بالمتهم قد أكدت للمحكمة أن موكلها يعاني من اضطرابٍ نفسي عام، يعود ذلك إلى مشاكل من الطفولة بجانب معاناته الجسدية، وأن ذلك ربما يكون السبب الأهم وراء تعجله في استخدام السلاح حينما شعر بوجود غريب في منزله، لكن بعدما تم فحص المريض من قبل هيئة طبية تابعة للمحكمة تأكد أنه سليم تمامًا. وقد ضُم ذلك التقرير إلى تقارير صحفية أخرى أفادت بأن المُتهم قد حصل على تدريبات تمثيلية ساعدته على البكاء أثناء إدلائه بشهادته أمام المحكمة. نفى «أوسكار» الادعاء الأخير كُليًا، لكن المحكمة ارتأت أنه بالرغم من ذلك، لم يُظهر أي ندم حقيقي من شأنه أن يُعدل المحكمة على توجيه تهمة القتل له.

عُوقب المتهم بالسجن لمدة خمس سنوات وفقًا لتهمة القتل الخطأ، حيث لم ترَ المحكمة أي دليل وراء تعمد قتله لصديقته «ريفا». قضى منهم حوالي سنة واحدة بالسجن لكنه خرج ليتم المدة داخل إقامة جبرية بمنزله، وذلك وفقًا لحالته الصحية. وبعد شهرين من إقامته الجبرية بمنزله. وفي 3 ديسمبر/كانون الأول 2015، قضت محكمة الاستئناف العليا في جنوب أفريقيا بأن «بيستوريوس» مذنب بالقتل من الدرجة الأولى، واعتبرت المحكمة أن سوء تفسير القوانين اقترن بفصل الأدلة الظرفية قد دفع المدعين العوام إلى عدم تقديم تهمة القتل العمد في عام 2014.

وقد قال القاضي «اريك ليتش» مبررًا تحويله التهمة إلى القتل من الدرجة الأولى: «ليس لدي شك أنه فى حالة إطلاق الطلقات القاتلة، كان يجب على المتهم أن يُدرك، ومن ثم يتوقع، أن كل من كان وراء باب المرحاض سيموت، بالتالي فهناك نية لقتل أحد ومقامرة مع حياة هذا الشخص. هوية ضحيته لا علاقة لها بالذنب من عدمه»؛ وعليه تم رفع مدة العقوبة مرة أخرى إلى ست سنوات، قبل أن تصل إلى أقصى مدة في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2017،وصلت إلى 13 عامًا.

والدة الضحية قد أكدت أن طول مُدة العقوبة لن تُعيد لها ابنتها المتوفاة، لكن هيئة الادعاء قد أكدت أن موكليها قد ارتاحوا لزيادة الحكم الأخيرة، وشعروا بأن ابنتهم الآن سترقد في سلام.