في السادس والعشرين من شهر سبتمبر/أيلول الماضي أُعلنت وفاة الدكتور يوسف القرضاوي، واحد من أبرز علماء الدين، عن عمر ناهز السابعة والتسعين من عمره، بعدما أثرى المكتبة الإسلامية بما يقرب من مائتي كتاب. ولد القرضاوي بقرية صفط تراب التابعة لمدينة المحلة الكبرى في فترة ما بين الحربين، عام 1926، وتلقى تعليمه الأولي على الطريقة التقليدية في الكتَّاب، حيث ينتشر المذهب الشافعي في دلتا مصر، والذي كان صنوًا للتصوف، ولكن لم يجد القرضاوي في نفسه ميلًا إلى الطرق الصوفية عامة.

في سن الرابعة عشرة توجه القرضاوي للدراسة بالمعهد الأزهري بطنطا، حيث استمرت دراسته فيه تسعة أعوام أخرى، ليكمل بعدها دراسته العالية في كلية أصول الدين. وعلى الرغم من ملاحظاته على طريقة التدريس وإهمال الجانب البحثي في الكلية، فإنه اختارها لتنوع علومها العقلية والنقلية، وتنوع معارفها، فإلى جانب دراسة العلوم الشرعية كالحديث والتفسير والسيرة وأصول الفقه، يدرس الطلاب الفلسفة الشرقية واليونانية والإسلامية، وكذلك الفلسفة الحديثة والغربية، والمنطق وعلم النفس واللغة الإنجليزية.[1]

اكتسب القرضاوي مجموعة من السمات الفكرية التي نجدها سارية في كتبه على اختلاف موضوعاتها وما تطرحه من قضايا، فقد امتاز القرضاوي بعقلية مرتبة، تجعل مواضيع الشريعة خاضعة لترتيب وفق أولويتها وأهميتها، وهو ما يمكن أن نرجعه إلى تأثره بالإمام أبي حامد الغزالي، حيث تعرف إليه مبكرًا في صباه عن طريق أحد أصدقائه من أتباع إحدى الطرق الصوفية تدعى الطريقة الخليلية؛ إذ كان في القرية عدد قليل من أتباعها الذين كانوا يدارسون كتاب الإحياء للغزالي كأحد أركان الانتماء إلى تلك الطريقة.

وعلى الرغم من نأي القرضاوي بنفسه عن الطرق الصوفية، فإنه كان يدارس الكتاب مع صديقه، حيث «غرف من بحره منذ عهد الصبا». وكما قلنا تجلى هذ الأثر فيما يمكن أن نطلق عليه “عقلية الأولويات” لدى القرضاوي، في الجانب العملي من الشريعة الإسلامية، حيث أخذ من الغزالي ترتيبه لكتابه إحياء علوم الدين، وأيضًا تقسيمه وترتيبه في المستصفى للمصالح من حيث قوتها إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات. ومن هنا تبنى القرضاوي ترتيب المقاصد – الضرورية – حيث رأي «المصالح الضرورية متفاوتة فيما بينها، فتُقدم المصلحة المتعلقة بحفظ الدين على المصلحة المتعقلة بحفظ النفس … إلخ».[2]

كما تأثر القرضاوي أيضًا بإمام الحرمين أبي المعالي الجويني في شموليته واستقلاليته، حيث كانت عبقرية الجويني في رأيه أنه استوعب العلوم التي تجمع بين العقل والنقل من علوم الكلام وأصول الفقه، وكذلك منهجه في الاستدلال وتحليل المسائل ورد الفروع إلى أصولها. وهو ما انعكس على القرضاوي في توظيف الاستقراء في التعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية، ومع ما أُثر عن فقهاء الصحابة، بالإضافة إلى استقراء مسائل مذاهب الفقه وأحكامها المختلفة، مع العناية بالعلل والمقاصد، وهذه الأخيرة التي رأى فيها القرضاوي استقلالية الجويني في التفكير، حيث يراه “واضع اللمسات الأولى في مقاصد الشريعة”.[3]

ولا يمكن إغفال تأثير الإمام الشاطبي في رؤية القرضاوي لمقاصد الشريعة أيضًا، حيث يدور منطق الشاطبي في الموافقات على التدليل على أن الشريعة إنما أتت لرعاية مصالح البشر المادية والمعنوية، فالحكم الشرعي لا بد أن يكون وراء تحقيقه مصلحة ضرورية أو حاجية أو تحسينية. ومن هنا ربط القرضاوي مرتبة الاجتهاد بالعلم بمقاصد الشريعة التي تتجاوز الأحكام الجزئية وتنتبه إلى مقاصد الشريعة الكلية.[4]

 الأمة والدولة والمواطنة

لدى القرضاوي مفهوم تحليلي في تعريف الأمة وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات بين أعضائها، ثم هو يربط فكرة الأمة بالمواطنة من خلال التجانس، سواء كان تجانسًا دينيًّا أو اجتماعيًّا أو سياسيًّا، ويترتب على هذا التجانس عاطفة تحمل الإيمان بالمصير المشترك وهو ما يستتبع التكافل والتعاضد بين أفراد الجماعة.

ينطلق القرضاوي، كغالب علماء المسلمين، من وثيقة المدينة في رؤيته للمواطنة، حيث يرى المواطنة أساس التعاقد والتعامل بين أعضاء الجماعة في الوطن الواحد، ولكن درجات الحقوق والواجبات تختلف باختلاف رابطة المواطن بالأمة، وهي على مرتبتين: الأمة الاعتقادية، والأمة السياسية، فالأولى تتأسس على أخوة الدين، ويترتب عليها حقوق اجتماعية وتشريعية، مثل التضامن بين أعضائها في الحرب والدية وفي المرجعية القانونية. وأما الأمة السياسية فهي أن تشترك أكثر من أمة دينية في أمة سياسية واحدة، وفي هذه الحالة يكون بينهم التكافل والتعاضد والحقوق المالية كبديل للمشاركة العسكرية، ولكن يستدرك القرضاوي في ذلك ويربطه بأن الحرب بين دولة المدينة والمشركين كانت حربًا بين الإسلام والوثنية، وليس لليهود شأن بها.[5]

ومع هذا نرى أنه خرج من هذا الأمر بدعوته إلى حذف مصطلحات تاريخية من قاموس التعامل المعاصر، مثل «أهل الذمة»، فالمقصد كان ضمان الرعاية والوفاء، بل إن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قد حذف لفظ “الجزية”، وهو المذكور في القرآن استجابة لعرب من بني تغلب من النصاري؛ لأنفتهم منه واستبدل به الصدقة، أما الآن وقد أصبح التجنيد إجباريًّا على كل المواطنين، فلم يعد هنالك مجال لجزية أو لغيرها.

ونرى أيضًا من تطور مفهوم المواطنة من الناحية العملية عند القرضاوي وضعه للأساس الجغرافي، أو ما يُطلق عليه في العلوم السياسية وحدة الأقليم، أساسًا لتلك المواطنة، فالتمتع بالمزايا السياسية للأمة مرهون بالانضمام الجغرافي إليها، ودليله في ذلك قوله تعالى: «والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء»، وبالتالي يمكننا اعتبار أن المسلمين خارج البلاد الإسلامية ينتمون إلى الأمة اعتقاديًّا، ولكن ينتمون إلى أوطانهم سياسيًّا.

ومن هنا يأخذنا المقام إلى الحديث عن الدولة وفلسفتها في فكر القرضاوي، فالدولة فريضة ضرورية في نظره، فهي من لوازم إقامة الدين وتحقيق معنى شموله، حتى إن أول ما فعله الصحابة بعد وفاة النبي مباشرة هو السعي إلى اختيار إمام للمسلمين لحفظ الأمة من التفرق والهلاك، كما أن الدولة هي من تقوم على الشئون الإدارية والمالية والسياسية للمسلمين.

ومع التقدم العلمي والتكنولوجي أصبحت الدولة ذات قدرة هائلة على التحكم والتأثير في عقائد المجتمع وأفكاره وأخلاقه، بل تستطيع أن تقلبها رأسًا على عقب، ومن وظائف الدولة تعليم الأمة وتربيتها على تعاليم ومبادئ الإسلام؛، لذا إذا كانت وظيفة الدولة بهذه الخطورة فكيف يمكن تركها في يد العلمانيين أو الشيوعيين وغيرهم![6]

إن هذه الرؤية لفلسفة الدولة دون توضيح لدور الأمة ومساحة مسئولياتها، ودور المجتمع المدني وأهميته، ودون الاجتهاد في تفصيل الفرق بين مفهوم العام والخاص، ورقابة الأمة على حكامها، والاقتصار على الاستدلال من داخل حقيبة التراث والتاريخ الإسلامي لهو جدير بأن يحول الدولة الإسلامية إلى «لفياثان إسلامي» وفق تعبير سيد نصر، بمعنى أن الدولة ستستخدم الإسلام في تثبيت سلطانها وتوسيع تغلغلها دون أن يكون المجتمع أو الأمة على نفس الدرجة من الفعالية والكفاءة في السعي لتحقيق مصالحها، حيث كان تطور الدولة الحديثة في العالم الإسلامي (دولة ما بعد الاستعمار) منفصلًا عن تطور المجتمع.

ثقافة جديدة للجهاد

في عام 2008 انتهى القرضاوي من كتابه الضخم عن فقه الجهاد، وذكر في مقدمته للكتاب دوافعه لكتابة مثل هذا العمل، وهو تقديم “ثقافة غير الثقافة المتوارثة عند جمهور المسلمين … حيث إن الثقافة التقليدية تعتمد على قراءة غير صحيحة لمصادر شريعتنا، ومصادر ثقافتنا، وليست على فقه عميق أو اجتهاد صحيح صادر من أهله وفي محله”. [7] (فقه الجهاد، مقدمة الطبعة الثالثة).

يضع القرضاوي مؤلفه وسطًا بين تيارين: تيار يريد «إماتة الجهاد»، وتيار «يعلن الحرب على العالم كله»، ومن هنا وضع القرضاوي مؤلفه ليقوم على فقه الشرع والواقع، وناقش الكتاب بعض القضايا الفقهية المهمة مثل مناقشة الإجماع على أن الجهاد فرض كفاية على الأمة، وهو ما يرى القرضاوي أنه لا يستند إلى دليل من محكمات القرآن والسنة، ولا متفق عليه بين الأئمة.

كما ناقش الكتاب فقه جماعات العنف، التي ترى استخدام القوة العسكرية كطريق أوحد لإزالة الظلم وإقامة العدل وتطبيق الشريعة، وقد ناقش الشيخ حجج التكفير ومآلاته، كما أرسى ضوابط وشروط تغيير المنكر، وفي هذا تعرض لقضية التغيير في العصر الحديث، والقوى التي تملك تحقيقه ووسائلها، ومنها التغيير الديمقراطي عبر البرلمانات المنتخبة والثورات الشعبية العامة. وناقش الكتاب أيضًا أفكار سيد قطب وأبي الأعلى المودودي، واستدرك عليهما في جذريتهما، وفي وسائل الدعوة المتاحة للتبليغ، وفي الناسخ والمنسوخ ومرحلية النص الديني، وخروجهما على العديد من أعلام مدرسة التجديد المعاصرين.

الإسلام والآخر

في كتابه «نحن والغرب» يرى القرضاوي العلاقة بين المسلمين والغرب في إطار حركة التاريخ الجدلية بين الشرق – باعتبار الإسلام من حضاراته – وبين الغرب، حيث توالت دورات من تولي زمام العالم والاضطلاع بالمهام الحضارية والأخلاقية فيه، وكانت هذه الحركة بالطبع ذات طابع صراعي منذ بدايات الإسلام المبكرة في عصر النبوة في غزوات مؤتة وتبوك، ثم عصور ازدهار الحضارة الإسلامية، ثم الحروب الصليبية وما تلاها من شد وجذب بين الحضارتين إلى أن انتهت بالاستعمار الحديث كإحدى حلقات هذه العلاقة.

وعلى الرغم من نيل الدول الإسلامية استقلالها فإن الاستعمار الغربي ظل حريصًا على الحضور من خلال أمرين؛ إسرائيل، الجسم الدخيل في قلب محيط عربي إسلامي، يسعى إلى ضمان مصالح الاستعمار بصورة أو بأخرى، والأمر الثاني؛ الغزو الثقافي والتعليمي والتشريعي والاجتماعي كوسيلة لتغيير البلاد من داخلها، بل صناعة دين «أمريكاني» جديد.[8]

ولكنه يرى في نفس الوقت أنه لا ينبغي الفرار من تلك المعركة الثقافية والجزع منها، فإن حماية الذات الإسلامية، ورفض الذوبان في الآخر تحت ضربات العولمة أو التطبيع أو التغريب، لا يعني الانغلاق والانكفاء على الذات، بل يمكن تطبيق نوع من الانفتاح الحذر، بشروط وضوابط، تحقق النفع وتبقي على الدين والعقيدة، فإذا كان الفرد في مرحلة التكوين، ولما ينضج فكره ويستقل بعد، يكون الانفتاح محذورًا.

وكذلك ينبغي عدم التساهل في الأخذ والاقتباس فيما لا برهان عليه، وقد ضرب مثالًا لهذا في الأخذ بالإسرائيليات وتسربها إلى تراث الإسلام منذ عهد الصحابة، وقد راجت عند علماء الأمة من المفسرين وكبار الأئمة، وهو ما يندهش له القرضاوي ويستنكره. وأضاف إلى هذه المحاذير الانبهار بثقافة الغير، وهو ما كان للمسلمين معه محطتان رئيسيتان، الفلسفة اليونانية، عندما ترجمها المسلمون في العصر العباسي، وقد كان انتشار تلك الأفكار محدودًا وفي خاصة الخاصة، والمرة الأخرى مع الثقافة الغربية الحديثة التي دخلت أوطاننا تحت سلطان الاستعمار، بينما كان العالم الإٍسلامي في حال تردٍّ فكري واجتماعي وسياسي، فيظن ذلك المنبهر أن الغرب، المنتصر بقوة السلاح، قد انتصر بقوته المعنوية ورقيه الأخلاقي.

ومن هنا يرى أن على المسلم أن يبشر بالإسلام كرسالة عالمية، كلفه الله بحملها وتبليغها للإنسانية، لينقذها به من القلق النفسي، والتحلل الأخلاقي، والتفكك الأسري، كما يدعوها إلى التحرر من عبادة المادة والطبيعة ليتحقق للإنسان التحرر الحقيقي عبر دعوة التوحيد الخالص.

كما يرى أن الإسلام منفتح على تأييد قضايا الحق والعدل، ونصرة المستضعفين والمظلومين، مثل اضطهاد السود والملونين في أمريكا وفي غيرها، ومساندة الشعوب المقهورة من أي جنس أو لون أو دين.

المراجع
  1. القرضاوي، ابن القرية والكتاب، ج1، القاهرة 2004.
  2. القرضاوي، الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه، القاهرة 2004.
  3. القرضاوي، الجويني إمام الحرمين، 2008.
  4. القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. دار القلم 1999.
  5. القرضاوي،  الوطن والمواطنة في ضوء الأصول العقدية والمقاصد الشرعية، دار الشروق 2010.
  6. القرضاوي، الدين والسياسة: تأصيل ورد شبهات، دار الشروق.
  7. القرضاوي، فقه الجهاد ج1، دار وهبة 2009.
  8. القرضاوي، ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق، دار الشروق 2000.