أسفرتْ الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة عن صعود غير مسبوق، لما يسمى «الصهيونية الدينية»، هذه الصهيونية التي تستمد مقوماتها ومرجعياتها من رؤى شديدة العنصرية تجاه الأغيار (غير اليهود، وهنا تحديداً العرب)، وهي تختلف عن الصهيونية العلمانية باعتبار أن الدينية يمكن اعتبارها بمثابة نمط من أنماط الأصوليات الدينية، إلى درجة أزعجت الولايات المتحدة، الحليف التاريخي للصهيونية.

يهيمن اليمين الصهيوني عموماً على الكنيست الإسرائيلي منذ نحو عقدين مع تراجع أقرب للانهيار لأحزاب اليسار الصهيوني، وعلى رأسها حزب العمل الذي قاد تأسيس إسرائيل وتطورها على مدى نحو ثلاثة عقود قبل صعود اليمين بقيادة الليكود. ويندفع اليمين الصهيوني بمرور الوقت نحو مواقف أكثر تطرفاً.

شهدت السنوات الأخيرة هيمنة المكون الديني على المعسكر اليميني مقابل تراجع اليمين الصهيوني العلماني، فبينما حصل الليكود، ممثل اليمين العلماني المتطرف تاريخياً على 32 مقعداً، فإن الصهيونية الدينية حصلت على 11 مقعداً لحركة شاس، ممثل اليهود المتدينين الشرقيين، و7 مقاعد لحزب يهود هاتوراة، ممثل اليهود المتدينين الأشكيناز، بيمنا حصلت قائمة الصهيونية الدينية على 14 مقعداً، وهي تعد امتداداً لتيار مائير كاهانا اليهودي المتطرف الذي تم تصنيفه إرهابياً ورفضت المحكمة العليا الإسرائيلية نفسها في الثمانينيات انضمامه إلى الكنيست.

فما الصهيونية الدينية، وما يفرقها عن الصهيونية العلمانية، وما بواعث صعودها مؤخراً، وكيف سيكون الوضع بالنسبة للفلسطينيين في الضفة وغزة وفي الأراضي المحتلة عام 1948 في ظل حكومة يصفها المراقبون بأنها أقصى أقصى اليمين؟

قبل الشروع في التحليل نورد بعض الأرقام التي تساعدنا وتؤشر لازدياد نسب التيارات الدينية القومية في إسرائيل، وبحسب ما ورد في دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية ونقل عنه موقع قناة «الجزيرة» القطرية، ومركز «المدار للدراسات الإسرائيلية» وهو مركز فلسطيني مختص بالشئون الإسرائيلية.

تبلغ نسبة اليهود الحريديم (ويطلق عليهم اليهود الأرثوذكس)، وهم من الفئات الأكثر تشدداً في المجتمع الإسرائيلي، 13.6% من عدد سكان إسرائيل الذي بلغ في عام 2016، 8 ملايين و585 ألف نسمة: 74.8%يهوداً- 20.8% عربا- 4.4% آخرين). وتتضاعف أعداد اليهود المتدينين كل عشر سنوات (متوسط حجم الأسرة المتدينة اليهودية عشر أطفال)، ومن المتوقع أن تصل نسبتهم من السكان عام 2059 إلى 34.6%.

تخبرنا تلك الأرقام بأن هناك تحولات عميقة في أحشاء المجتمع الإسرائيلي سيكون لها آثار جيو-استراتيجية بعيدة المدى على المنطقة عموماً وفلسطين المحتلة خصوصاً، ما يضاعف الاهتمام بفهم تشكل ظاهرة الصهيونية الدينية وتناميها في المجتمع الإسرائيلي.

الصهيونية كحركة علمانية

الصهيونية الدينية اتجاه ديني قومي في إسرائيل له جذور قديمة ضمن بنية الحركة الصهيونية العامة، ولكنه لم يبرز إلى السطح إلا منذ وصول الليكود (حزب يميني متطرف بزعامة مناحم بيجن) إلى السلطة لأول مرة في عام 1977.

من المعروف أن الحركة الصهيونية التي نشأت بزعامة الصحفي النمساوي تيودور هيرتزل (النصف الثاني من القرن 19)، كانت حركة علمانية قومية؛ حولت اليهودية من ديانة إلى قومية أو بالأحرى قامت بعملية قومنة للديانة اليهودية في إطار ازدهار القوميات في أوروبا التي صاحبت ظهور البرجوازية (الطبقة المهيمنة في الرأسمالية) وتطورها[1]. وكان الآباء الأوائل للصهيونية غالباً ملحدين.

من ناحية أخرى، كانت الحركة الصهيونية في عمومها تعبيراً سياسياً عن مصالح الرأسمالية المالية اليهودية، المنحدرة أساساً من أحشاء الرأسمال الربوي الذي كان اليهود يمتلكونه في العصور الوسطى، وكان تبلورها أكثر في مناطق شرق أوروبا عنه في غرب أوروبا التي سادت فيها حركة التنوير اليهودي (الهسكالاه)[2]. وكانت الهسكالاه هي التي ساعدت في تحول الفكر اليهودي من اللاهوتي (الديني) إلى الدنيوي (العلماني)؛ بحيث لا يصبح هناك معنى لانتظار المخلص؛ وعلى اليهود أن يقوموا بتخليص أنفسهم.

عندما تلاقت مصالح الرأسمال المالي اليهودي مع الرأسمال الأوروبي أنتج ذلك في ما يُعرف في الاقتصاد السياسي برأسمالية الدولة الاحتكارية (الإمبريالية)، وهذا يجعلنا نفهم العلاقة البنيوية بين الصهيونية كحركة استعمارية استيطانية (تريد إقامة وطن قومي لليهود) والإمبريالية (أي الرأسمال الاحتكاري الناتج من التزاوج بين الرأسمال المصرفي/ البنكي والرأسمال الصناعي للخروج من أزمات الرأسمالية التي حدثت في مرحلة المنافسة الحرة في السوق دون وجود محتكرين كبار).

يعني ذلك أن إسرائيل قامت في الأصل على أكتاف حركة علمانية، وقد تكون ملحدة (غلب عليها ظاهرياً الصهيونية الاشتراكية)، رغم أن التوراة استخدمت لتبرير قضم فلسطين عبر الوعد الإلهي (يهوه) لإبراهام (إبراهيم) بمنحه الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات (كما جاء في سِفر التكوين أول أسفار العهد القديم/التوراة).

بمعنى آخر، كان الدين (اليهودي) مجرد تابع للسياسة، وهذا يفسر رفض الحيريدم (اليهود الأرثوذكس المتشددين) لتدخل البشر في إقامة دولة إسرائيل حيث كانوا ينتظرون تدخلاً إلهياً من أجل ذلك. فيما بعد، غيرت الاتجاهات الحيريدية وجهة نظرها، بخاصة بعد حرب حزيران/ يونيو 1967 (حرب الأيام الستة كما تطلق عليها إسرائيل).

ظهور الصهيونية الدينية

لا يمكن بأي حال أن نعزل الصهيونية الدينية عن الصهيونية السياسية أو العلمانية بسبب أنًّ بنية تكوينهما وهدفهما واحد، وهو استعمار أرض فلسطين من خلال حُلم العودة إلى أورشليم الذي رافق الرومانتيكية اليهودية الدينية منذ أحداث السبي البابلي 583ق.م (بحسب المزاعم التوراتية).

ولأن الصهيونية العلمانية، رغم علمانيتها ودهريتها المفرطة كذلك، كانت محملة في أحشائها ببذور دينية ولاهوتية، بسبب تحويلها اليهودية من ديني ينتمي إليه أناس من قوميات مختلفة إلى انتماء قومي يجمع شعباً واحداً مشتتاً، احتاجت الصهيونية حتى العلمانية أن تنطلق من التوراة في تلك العملية التحريفية بغرض البحث عن وطن قومي لليهود وتجميع شتاتهم من كافة أرجاء المعمورة. هذه البذور كانت النبتة الأولى التي خرج منها ساق الصهيونية الدينية وفروعها وأوراقها.

يرى الدكتور رشاد الشامي، أحد الأساتذة المرموقين في الأدب العبري ولغته، في كتابه: «القوى الدينية في إسرائيل بين تكفير الدولة ولعبة السياسة»، أن بداية الصهيونية الدينية وإرهاصاتها بدأت مع الحاخام يهودا القلعي المولود في سراييفو (1798- 1878م)[3]. كان القلعي من أبرز الدعاة اليهود إلى العودة إلى التلمود وأساطير القَبَّالاه (التصوف اليهودي)، وكتب كراساً بعنوان: «شمعي يسرائيل» (اسمعي يا إسرائيل) عام 1834، رأى فيه أن اليهود ليسوا بحاجةٍ إلى مسيحٍ منتظر، والأهم في دعوته: إقامة مستوطنات يهودية في فلسطين. أما أفراهام هرتسبرج في كتابه «الفكرة الصهيونية» فقد اعتبر يهودا القلعي وكاليشر وهس بمثابة المقدمات الموسيقية للصهيونية[4].

ويُعتبر الحاخام البولندي تسفي هيرش كاليشر (1795- 1874)، الأب الروحي الثاني للصهيونية الدينية، وقد صاغ كتابه: «درشت تسيون» (البحث عن صهيون) عام 1862، ورأى فيه أن خلاص اليهود يكمن في هجرتهم إلى فلسطين واستيطانها بحسب وصايا التوراة.

وكان تأثير الحاخامين يهودا القلعي وكاليشر قد بدأ يؤتي ثماره في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، بعد أن تأسست بالفعل مستوطنة رجوفوت وفقاً لأفكارهما على يد الحاخام الروسي شاموئيل موهيلفر (1824-1898م).

كما يعتبر الباحثون المختصون في الشأن الإسرائيلي أنَّ الرابي أفراهام إسحاق كوك هو الذي أنضج أفكار الصهيونية الدينية. وقد أسس كوك عام 1924 أول مدرسة دينية يهودية «مركاز هراف» في فلسطين[5]. هذه المدرسة غدتْ أول مدرسة صهيونية دينية تقوم بتخريج الآلاف من دعاة الصهيونية الدينية، وتمثل مفرخةً لإفراز هذا التيار شديد التطرف، وعلى رأسهم حركة «غوش أمونيم» الاستيطانية (حركة «كتلة الإيمان» التي تأسست عام 1974).

الصهيونية الدينية بعد قيام إسرائيل

كانت إذن بذور الصهيونية الدينية قد بدأت منذ وقت مبكر، وتنامتْ مع تنامي الحركة الصهيونية العلمانية (صهيونية هرتزل ورفاقه)، فكيف كان وضعها بعد قيام إسرائيل في عام 1948؟ وما أحزابها وتياراتها؟

يُعتبر حزب المفدال هو بداية الخيط الحقيقي لفهم صيرورة تطور الصهيونية الدينية؛ فهذا الحزب قد شارك في معظم إن لم يكن كل الحكومات الإسرائيلية منذ تأسيس إسرائيل مشاركاً لما يسمونه «اليسار الصهيوني» (الذي يُعد حزب العمل عصبه الرئيسي)، وكانت وزارتا الداخلية والتعليم غالباً من نصيب هذا الحزب. فوزارة الداخلية منوط بها الاستيطان وتراخيص البناء والجنسية، وهذا قد يكون السبب في زيادة رقعة الاستيطان في الأراضي المحتلة منذ عام 1967. وتعود جذور المفدال أساساً إلى حزب العامل المزراحي الذي ورث المفدال تشدده القومي والديني (المزراحيم هم اليهود الشرقيون، وهم معروفون بتشددهم الديني).

ومنذ عام 1977، بدأت الاتجاهات الأكثر يمينية تبرز في الحزب؛ كانت تتقارب مع الليكود في الفترة، وأسهمت في إسقاط حكومة رابين عصرئذٍ، ومن حينها يمكن القول بحدوث تغيرات نوعية داخل المفدال، الذي تعرض لعدة انقسامات وانشقاقات بسبب الخلاف على قضايا بعينها مثل الاستيطان، وقد اتجهت القواعد الحزب شيئاً فشيئاً لحركة شاس المتطرفة في ثمانينيات القرن الماضي.

ظهرت في السبعينيات والثمانينيات حركات متطرفة من أمثلتها «غوش آمونيم» التي أسسها غوش لفنجر عام 1974، واستمدت أفكارها من أفكار وفتاوى الراف إسحاق كوك، وهو لاهوتي أشكينازي تحدثنا عنه في الفقرة السابقة. وغوش أمونيم من أشد الحركات التي جاءت من قلب المستوطنات التي بدأت في الضفة الغربية بعد عدوان 1967. كما أن هناك حركة كاخ التي أسسها الحاخام الأمريكي مائير كهانا (وهي حركة مصنفة إرهابية في الولايات المتحدة).

وقد قمنا بتقديم خريطة لأحزاب الصهيونية الدينية في إسرائيل حالياً يمكن الرجوع إليها.

ازدهار الصهيونية الدينية

يمكن أن نجد نوعين من البواعث، من خلالها نفهم لماذا ازدهرت وتزدهر الصهيونية الدينية في إسرائيل، الأولى بواعث ذاتية، والثانية بواعث موضوعية.

تتمثل البواعث الذاتية في بنية الديانة اليهودية ذاتها وكتابها المقدس (التوراة)، والباعث الذاتي الثاني يرتبط ببنية الحركة الصهيونية ككل بكافة تلاوينها ومؤتمراتها، وسواء بنية اليهودية كديانة أو الصهيونية كحركة فهما لا يمكن فصلهما قط. فرؤية اليهود لأنفسهم كشعبٍ مختار حصل على وعدٍ من الرب بأن يكون وريثاً للأرض الممتدة بين النيل والفرات، ونظرتهم للآخرين باعتبارهم أغيار (جوييم) أقل منهم في المكانة، سمحت بنمو العنصرية في قلب الصهيونية.

أدركتْ الحركة الصهيونية– رغم علمانيتها ودهريتها– ذلك جيداً، ودغمتْ الديني بالسياسي بالقومي، مستفيدةً من التنوير الأوروبي وموظفةً له في ذاك السياق. ومن ثم يجب ألا نندهش عندما نشاهد هذا الغلو والتطرف الذي يطفح في إسرائيل، فهي بذاتها دولة استعمارية استيطانية عنصرية إحلالية تقوم على فكرة النقاء اليهودي والتفوق اليهودي. وهنا يمكن أن نذهب أكثر مع المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري في فهم خلفيات إسرائيل والصهيونية من خلال: الداروينية الاجتماعية (الإنسان ذئب لأخيه الإنسان) والنيتشوية التي بلورت فكرة الإنسان الأرقى الأعلى والأقوى؛ هكذا ينظر الصهيوني إلى ذاته.

والأمر الآخر الجدير بملاحظته في هذا السياق أيضاً هو أنًّ الصهيونية الدينية ما كان لها أن تتناسل وتتجذر لولا ارتباطها العميق بالصهيونية العلمانية، فبنية الصهيونية العلمانية هي ما أعطى هذا النمط من الصهيونية تلك الطاقة الجبارة في التكوين ثم الوجود والتأثير القوي الذي بات ملموساً.

لا يمكن مع ذلك الارتكان فقط للبواعث الذاتية في فهمنا لصعود الصهيونية الدينية وتناميها، فهناك جملة ظروف موضوعية وسياق عام إقليمي ومحلي أسهم مع العامل الذاتي في بلورة هذا التيار داخل إسرائيل. ومن هذه العوامل:

1. عدوان 1967، هذه الحرب العدوانية كانت رافعةً أساسية لتنامي اتجاهات الصهيونية الدينية، حيث صارت أرض 1967 الفلسطينية تحت السيطرة المباشرة للاحتلال الإسرائيلي، ومن هنا تطابق الواقع (واقع الاستيلاء على كل فلسطين التاريخية من بحرها لنهرها)، مع الأرض التوراتية (المذكورة في العهد القديم) أي المملكة الإسرائيلية القديمة الموحدة ثم المنقسمة (يهودا والسامرة).

نشوة الانتصار الإسرائيلي السريع والخاطف غذت بشكل كبير جداً رومانتيكية اليهود الصهاينة المتدينين؛ بل ودفعت الرافضين منهم من الاتجاهات الحريدية للصهيونية ودولة إسرائيل باعتبارها ضد رغبة الرب وإرادته إلى التطرف أكثر والانتقال ناحية اليمين أكثر. ومن ثم يكون الفعل البشري وليس الفعل الإلهي هو العامل الحاسم في تخليص اليهود.

2. حرب أكتوبر/تشرين 1973، وهي العامل الموضوعي الثاني، حيث شعرتْ إسرائيل ومكوناتها الصهيونية بتهديد وجودي للمرة الأولى منذ نشأتها عام 1948 عندما استطاع المصريون عبور القناة وتحقيق نصر أكتوبر. كانت حرب تشرين محفزاً آخر لنمو نزعات قومية (دينية) من أبرزها مثلاً حركة غوش آمونيم الاستيطانية عام 1974 التي أشرنا إليها سابقاً.

3. تنامي حركات المقاومة العربية في ذات الوقت.

4. وهناك ظاهرة بدتْ عالمية، وهي تنامي الأصوليات الدينية عموماً، كتعبير عن أزمات اقتصادية واجتماعية في العالم، فظهرت أصوليات مسيحية وإسلامية ويهودية كل منها يريد العودة إلى المنابع الأولى؛ وهي متصادمة في ما بينها، وتم الاستثمار فيها سياسياً من قبل الإمبرياليات العالمية والنظم الحاكمة في منطقة الشرق الأوسط، كما قامت الثورة الإيرانية (الإسلامية) عام 1979 لتدفع أكثر في هذا الاتجاه.

5. التحولات داخل إسرائيل، فحتى عام 1977، كان اقتصاد إسرائيل معتمداً على قطاع عام قوي ومتقدم وقاعدة علمية وتكنولوجية متينة، وهناك في البناء التحتي مجتمع تعاوني، لأن الحركة الصهيونية أخذت من الأفكار الاشتراكية فكرة التعاونيات والكميونات (المشاعات)، فتأسس نظام الكيبوتزات (وهي تعاونيات فلاحية). لكن بعد صعود اليمين المتطرف بزعامة الليكود، بدأت إسرائيل تتجه إلى الخصخصة والنيو-ليبرالية، وهو ما يعني أنًّ الدولة لم تعد تقدم شيئاً من خدماتها، مما أفسح المجال للجميعات الدينية المتطرفة أن تسد هذا الفراغ.

وبالتالي نستطيع أن نقول أخيراً إن أقصى اليمين، وأقصى اليمين الجديد جزء من صيرورة التطور الجدلي للصهيونية وتجاوزها في ذات الوقت بتفاعل الذاتي والموضوعي.

تمثل المستوطنات (المغتصبات) الصهيونية الركيزة الأساسية والأهم في تنامي ظاهرة الصهيونية الدينية، فالمستوطنون اليهود هم الأساس الاجتماعي والاقتصادي والفكري والعقائدي لتيار/تيارات الصهيونية الدينية. مع بداية الاستيطان في الضفة الغربية، بدأت الأفكار الأكثر عنصرية وتشدداً تنمو شيئاً فشئياً، وهي مدعومة من الدولة (التي هي في حد ذاتها عنصرية)، ولذلك من الطبيعي أن يخرج قادة الصهيونية الدينية من أوساط المستوطنين ونراهم على شاشات التلفزة يقودون مسيرات الأعلام والاقتحامات المتكررة للحرم القدسي الشريف.

الصهيونية الدينية في المؤسسات الإسرائيلية

كانت مجالات التربية والتعليم هي أولى الخطوات لتيار الصهيونية الدينية؛ وذلك بحكم أن هذا التيار يمتلك جملةً من المدارس والمعاهد في المستوطنات، كما أنه يقوم بتهيئة الشباب للتجنيد بالجيش. ويعتبر الباحث الإسرائيلي نائير نهوراي في كتابه الذي صدر مؤخراً «الثورة الثالثة»، وعالج فيه مراحل صعود تيار الصهيونية الدينية، أن المرحلة الثالثة من صيرورة هذا التيار تتعلق بتغلغله في مؤسسات الدولة، وأولها التربية والتعليم، ومن ثم تم التغلغل كذلك في القضاء والجيش. ويتم شيئاً فشيئاً تضييق الخناق على العلمانيين، وبذا تتحول إسرائيل من دولة علمانية عنصرية أصلاً، لدولة دينية شديدة العنصرية.

بعد هذا التحليل الذي حاولناه، يبدو أن إسرائيل متجهة إلى تحولات كبيرة بل يمكن أن نقول نوعية في المديين المتوسط والطويل. هذا التحول جوهره هو تعميق العنصرية والعدوانية بشكل أكثر حدة من ذي قبل، بما يعني استحالة حل القضية الفلسطينية بشكل سلمي كما تتوهم السلطة الفلسطينية وحلفاؤها ودول التطبيع العربي.

من جهة أخرى سيعمل ذلك على إبقاء المنطقة عموماً في آتون افتعال صراعات دينية وطائفية، مما يصعب مهمة القوى التقدمية والعقلانية أكثر.

المراجع
  1. عن الحركة الصهيونية ونشأتها يمكن استشارة: صبري جريس: تاريخ الصهيونية (1862-1948م)، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، ط2، 1981، ج1، صـ 71، وما بعدها.
    وعن مصطلح الصهيونية يمكن مراجعة: مادة الصهيونية في: الموسوعة الفلسطينية، ط1، 1984م.
  2. الهسكالاه: يمكن مراجعة التفاصيل في: هويدا عبد الحميد مصطفى: الصهيونية الدينية حتى عام 1967م (النشأة والاتجاهات الفكرية، رسالة ماجستير، قسم اللغة العبرية وآدابها، كلية الآداب، جامعة عين شمس، 2003م، صـ 9 وما بعدها.
  3. رشاد عبد الله الشامي، القوى الدينية في إسرائيل بين تكفير الدولة ولعبة السياسة، الكويت، عالم المعرفة، كتاب رقم 186، ذو الحجة 1414هـ/ يونيو/ حزيران 1994م، صـ 85.
    ويمكن كذلك مراجعة، هويدا عبد الحميد مصطفى، الصهيونية الدينية حتى عام 1967، مرجع سابق، الفصل الأول( صـ 33- 46).
  4. مرجع سابق، 34.
  5. رشاد الشامي، مرجع سابق، صـ88.