يُعرِّف الكاتب الفرنسي «جورج بوليتزر» في كتابه «أصول الفلسفة الماركسية» المنهج، فيقول:

نعني بالمنهج، الطريق الذي يؤدي بنا إلى الهدف. ولقد درس كبار الفلاسفة أمثال ديكارت وسبينوزا وهيجل قضايا المنهج لاهتمامهم بأكثر الوسائل عقلانية لبلوغ الحقيقة. [1]

وعليه، فإن هناك منهجين أو طريقتين يستخدمهما الفلاسفة والعلماء عند دراسة موضوع ما أو قضية معينة، وهما: المنهج الميتافيزيقي، والمنهج الجدلي (الديالكتيك).

المنهج الميتافيزيقي

تتكون كلمة ميتافيزيقيا (Metaphysics) من شقين، «ميتا» وهي كلمة يونانية تعني الما وراء، و«فيزيقيا» وتعني الطبيعة، وموضوع الميتافيزيقيا عند أرسطو هو دراسة الكائن الذي يوجد خارج الطبيعة. وبينما الطبيعة متغيرة، فإن الكائن الذي يوجد خارج الطبيعة أبدي لا يتغير، وهو ما يسميه الناس الإله. [2]

إذًا نستطيع القول إن المنهج الميتافيزيقي يدرس جوهر الأشياء، بمعنى أنه يدرسها بمعزل عن المؤثرات التي تؤثر فيها، وكذلك بمعزل عن علاقتها بالأشياء فيما حولها، فمثلًا وفقًا للمنهج الميتافيزيقي، فإن السيارة تظل «ثابتة» على حالها مهما انقضت من سنوات على استعمالها، فطالما أنها لا تزال على تلك الهيئة، فهي لم تتغير، وبهذا فالميتافيزيقيا تُهمِل تلك العوامل التي تؤثر عليها، مثل كثرة استخدامها، الإصلاحات والتغييرات الداخلية التي تحصل لها، كتغيير الماكينة، وتبديل العجلات وغيرها.

إذًا فالمنهج الميتافيزيقي يدرس الأشياء «وكأنها تامة الصنع لا تتغير ولا تتأثر بأسباب التغيير» [3]، وذلك على حد تعبير فريدريك أنجلز.

ولنضرب مثلًا آخر على هذا المنهج الميتافيزيقي، ففي كتابه «تأملات في الفلسفة الأولى» يرى ديكارت أن الجسد منفصل عن الروح، فمن صفات الجسد الأكل والشرب وإشباع الرغبات المختلفة، في حين أن صفة الروح المميزة عن الجسد هي التفكير، وبهذا يقول: «أنا أفكر إذًا أنا موجود»، أي أنا إنسان عاقل له روح، ولكن مع ذلك يبقى التفكير متأثرًا بجسد الإنسان، فتفكير المرء وهو جائع يختلف عن تفكيره وهو شبعان، وهكذا نرى أن الروح ليست منفصلة عن الجسد بل مرتبطة به وتتأثر بتغير حالات الجسد المختلفة.

المنهج الجدلي

يُعرِّف فريدريك إنجلز المنهج الجدلي في كتابه «ضد دوهرنج» فيقول:

تنظر الجدلية إلى الأشياء والمعاني في ترابطها بعضها بالبعض وما يقوم بينها من علاقة متبادلة، وتأثير كل منها في الآخر. وما ينتج عن ذلك من تغيير، كما تنظر إليها عند ولادتها ونموها وانحطاطها.

فالمنهج الجدلي بخلاف المنهج الميتافيزيقي لا ينظر إلى الأشياء ككائنات منفصلة، جامدة لا تتغير؛ وإنما ينظر لها من خلال تفاعلها مع ما حولها، وتأثرها بعوامل التغيير الداخلية والخارجية المختلفة، فالأشياء في تفاعلها وترابطها مع ما حولها تصنع أشكالًا جديدة، وبالتالي فهي لا توجد في حالة سكون، وإنما في حالة مستمرة من الحركة والتغيير.

ويعتبر هيجل مؤسس الجدلية كمنهج فلسفي في دراسة الأشياء، فالحقيقة عنده ليست مجموعة من المبادئ الجاهزة بل هي عملية تاريخية تبدأ بالمعرفة البدائية لتنتهي بالمعرفة السامية. وهي تتبع في ذلك حركة العلم نفسه الذي لا يتطور إلا إذا عمد إلى نقد نتائجه باستمرار، وتجاوز هذه النتائج، ويقوم المنهج الجدلي عند هيجل على مبدأ أن كل فكرة (Thesis) لها فكرة نقيضة (Anti-Thesis) تعارضها أو تنفيها، وهذا التمازج أو الصراع بين الفكرة ونقيضها، يؤسس لظهور فكرة أخرى جديدة (Synthesis)، وهكذا فإن حركة التاريخ تتطور وتتغير باستمرار عن طريق هذا المبدأ.

وفي الوقت الذي لجأ فيه المفكرون البرجوازيون إلى الميتافيزيقيا للدفاع عن الرأسمالية، والقول بأنها خالدة لا تتغير، ذهب ماركس وأنجلز إلى المنهج الجدلي في تفسير حركة المجتمع، فرأوا أن المجتمعات البشرية ليست ثابتة، وإنما هي في تطور مستمر، نتيجة الصراع الطبقي، وهذا التطور هو تطور إيجابي، بمعنى أنه تطور من الأدنى للأعلى. فكما أن البشرية انتقلت من المجتمع الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي، فإنها ستتطور لتصل إلى المجتمع الشيوعي الذي يعتبر أرقى المجتمعات وأعلاها في سلم الحضارة وفقًا لماركس وأنجلز، وتسمى هذه النظرية التي تعتمد على المنهج الجدلي في تفسير حركة التاريخ بالمادية الجدلية، يقول فريدريك أنجلز:

إن جميع النظم الاجتماعية التي تتعاقب في التاريخ ليست سوى مراحل مؤقتة لتطور المجتمع الإنساني، الذي لا نهاية له، من درجة دنيا إلى درجة عليا، فكل درجة ضرورية، ويبررها بالتالي العصر والظروف التي ترجع إليها بشأنها. ولكنها تغدو زائلة لا يبررها شيء إزاء ظروف جديدة أرقى تتطور شيئًا فشيئًا في أحشائها بالذات، فهي مضطرة أن تخلي المكان لدرجة أعلى تنحط وتزول بدورها. [4]

سمات المنهج الجدلي

وفقًا لكتاب «أصول الفلسفة الماركسية» فإن هناك أربع مزايا (قوانين) للمنهج الجدلي تميِّزه عن المنهج الميتافيزيقي، وهي:

1. الترابط (قانون التفاعل والترابط الشامل):

فالجدلية لا تنظر للأشياء على أنها معزولة عن العالم مثلما تفعل الميتافيزيقيا، بل على أنها كل واحد منسجم، يتأثر كل عنصر فيها بالعناصر الأخرى المحيطة به، وكما ذكرت في مثال سابق عن الارتباط بين الجسد والروح وتأثر كل منهما بالآخر، فإن الأمر نفسه ينطبق على المجتمعات والثقافات المختلفة، فكل مجتمع أو ثقافة مرتبط بما حوله ويتأثر بالعوامل التي يتأثر بها. مثال تأثر العالم العربي بالحرب الروسية الأوكرانية، وبالعقوبات المفروضة على روسيا.

2. كل شيء يتحول (قانون التحول الشامل أو النمو المستمر):

قال هيراقليطس قديمًا: «إنك لا تستطيع أن تنزل في النهر نفسه مرتين»، وهذا لأن عناصر الطبيعة والمجتمع في حالة مستمرة من التغيير والتطور، فلا يوجد مجتمع أو كائن راكد، وإنما الحركة هي السمة الرئيسية للطبيعة والمجتمع، فكل المجتمعات عرضة للتغيير بدرجات مختلفة، ونتيجة لعوامل مختلفة تسبب دوران عجلة التغيير، فالقانون الثاني والأول من الجدلية مرتبطان، ويؤثر كل منهما في الآخر، فالتغيير يحدث نتيجة تأثر العنصر بالعناصر المحيطة به، فنستطيع القول إكمالًا للمثال الأول إن من نتائج تأثر العالم العربي بالحرب الروسية الأوكرانية ارتفاع (تحول) أسعار النفط والغاز.

3. التحول النوعي (الكيفي):

أي تحول عنصر من حالة إلى حالة أخرى، ويحدث نتيجة لتحول كمي، فالماء يتحول من الحالة السائلة للحالة الغازية (تحول نوعي) نتيجة ارتفاع درجة الحرارة (تحول كمي).

وتتميز التحولات الكمية بأنها بطيئة وتستمر لفترة طويلة، أمَّا التحولات النوعية فتحدث بشكل عارض وسريع بواسطة قفزات من حالة لحالة أخرى، فلنضرب مثلًا بالثورة الفرنسية عام 1789، فقبل حدوث الثورة الفرنسية، كان الفلاسفة والمفكرون الفرنسيون يتحدثون عن قيم التسامح الديني والمساواة والحرية، ولولا دورهم البارز في نشر الوعي بأهمية هذه القيم الإنسانية، والتحرر من سلطة الكهنوت الديني لما حصلت الثورة الفرنسية، فالتغيير الذي قام به الفلاسفة في هذه الحالة هو «تغيير كمي»، من خلال زيادة الوعي في المجتمع، ولولاه لما حدث «التغيير النوعي» بانتقال المجتمع من النظام الملكي للنظام الجمهوري.

4. نضال الأضداد:

وهو القانون الأهم في الجدلية، فعن طريق نضال الأضداد يحدث التطور، وقد ذكرت سابقًا أن لكل فكرة نقيضها، وعن طريق هذا التعارض بين الفكرة ونقيضها تنشأ لنا فكرة أخرى جديدة، وهكذا فإن كل تطور محكوم بصراع داخلي، «فالصدأ الذي يظهر على الشوكة هو ثمرة نضال بين الحديد والأكسجين» [5]، والأمر نفسه ينطبق على الجسم البشري، فصحة الإنسان هي نتيجة نضال بين الفيروسات والبكتيريا الخارجية ومناعة الإنسان الداخلية، وحياته تستمر نتيجة للصراع اليومي بين خلايا تموت وأخرى تحل محلها، وهكذا يموت الإنسان عندما يتوقف هذا النضال ويتوقف نمو الخلايا الحية محل الخلايا الميتة.

وبالمثل فإن ماركس يرى أن تطور المجتمعات هو نتيجة الصراع الطبقي، ولهذا فإن الوصول إلى المجتمع الشيوعي يتطلب صراعًا بين البرجوازيين والعمال، ولهذا دعا في كتابه «البيان الشيوعي» العمال إلى الثورة في وجه النظام البرجوازي، من أجل القضاء على النظام الرأسمالي وإحلال النظام الشيوعي محله.

المراجع
  1. جورج بولتزر وجي بيس موريس كافين، “أصول الفلسفة الماركسية”، بيروت، منشورات المكتبة العصرية، ص21.
  2. المرجع السابق، ص23.
  3. فريدريك إنجلز، “لودفيج فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية”، القاهرة، دار روافد للنشر والتوزيع، ص35.
  4. المرجع السابق، ص15-16.
  5. جورج بولتزر وجي بيس موريس كافين، “أصول الفلسفة الماركسية”، مرجع سبق ذكره ص98.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.