(1)

في الدولاب أجندات متنوعة الأحجام تبدأ من عام 1978. ظلت الأستاذة سمية مُدرِّسة اللغة العربية تحافظ على اقتنائها، بلا تهاون، لأكثر من عشرين عامًا.

الليلة وهي تمد يدها وتمسك بالزرقاء الخاصة بهذا العام، خُيِّل إليها كأنها كتاكيت محبوسة في الدولاب، تنتظر حتى تمد يدها وتفتح باب القفص، عندها تنتشر على منضدة صغيرة تستعملها لتحضير الدروس ولضم خرز السبحة وقراءة الصحيفة. رتبتها على المنضدة، وفكرت أنها عصير الحياة، كل ما تبقى منها.

(2)

طرأت فكرة تدوين اليوميات في أحد الأصياف، عندما اصطحبها أبوها لزيارة عمّتها في الإسكندرية. بعد يوم واحد من الإقامة هناك، حدّثتها عمتها بأن شابًا يريد رؤيتها. خافت قليلًا من طلب عمتها. منْ سيقبل بها وذراعها مُعاق وأثر شلل الأطفال يظهر في طريقة مشيها! لكنها قرّرت قبول المغامرة، منْ يدري؟

تتذكر تلك الساعات باعتبارها أكثر لحظات حياتها بهجة، عندما راحت عمّتها تُزينها. جاء الشاب في المساء ودخل مع والده غرفة الصالون. انتفض قلبها في صدرها لكن عندما دخلت الغرفة تحمل صينية القهوة وتزك في مشيتها، غام وجه الشاب، وتغيّر، ولم ينظر تجاهها طوال الجلسة.

بعد عودتها مع أبيها في ذلك الصيف، أعطاها مجموعة من عقود الأرض وبعض أوراق مسجل بها مصاريف الزراعة لكي تسجلها في كراسة صغيرة. أنجزت عملها على أكمل وجه، وفي ذلك اليوم خطر لها أن تسجل أطرافًا ممّا يحدث حولها، حتى يتسنى لها استخدامها عندما يُغالط مؤاجر، أو عندما يسهو شخص ويرتكب خطأ، سيكون لديها سجل بالأخطاء، فتقول له في يوم كذا عملت كذا وكذا.

بعد فترة من تسجيلات تخص الأرض ومصاريف البيت، بدا من الشيّق توسيع الأمر، وتسجيل بعض ما يحدث حولها، بالذات أحداث العائلة: مرض أبيها، زيارة عمتها، وبعض الحكم التي تعجبها، تواريخ بداية الدراسة ومواعيد الامتحانات، وفي النادر بعض الخواطر والأفكار البسيطة حول الحياة.

لكن تسجيل المصاريف وإيجارات الأرض وأثمان البذور والسماد والمبيدات، ظل يحظى بنصيب وافر في صفحات أغلبها بيضاء، خلت من أي ذكر لمشاعرها وأفكارها وإحساسها بما تعيش، كأنها كانت تسجل ظل مرور الأيام فقط.

(3)

لا تكاد تصدق، أن الكنز المفتوح أمامها الآن على المنضدة الصغيرة، نتيجة خاطر عابر بعد خطبة فاشلة هو ما يسند حياتها كلما غامت الدنيا، تلجأ إليه طلبًا للحماية.

تُقلِّب صفحات المذكرات وتفكر كيف أن مرض أبيها ووفاته غيّر كل شيء. بعد موته بدأت مشاحنات تقسيم الثروة الصغيرة. الصراعات التي سجّلتها بدقة تكشف طمع إخوتها وربما موقفهم المؤسف منها.

لن تنسى أبدًا عندما رغبت أن تبيع ثلاثة عشر قيراطًا في كفر داوود وتشتري شقة تمليك في طنطا، اتصل بها أخوها وكيل وزارة في المالية وقال لها:

إن بعتِها… لن تحصلي على مليم واحد، سنشاركك جميعًا في الثمن، فهذه الأرض أرضنا جميعًا.

أدركت المعنى، لن تستطيع أن تتصرف في شيء من الأرض لأنهم يظنونها حقهم، إنها ليست أرضها إنها حارستها حتى تموت فتؤول إليهم، اضطربت اضطرابًا كبيرًا عندما قال لها العقيد فتحي، أخوها الكبير، الذي عوّلت عليه أن يقف في صفها:

لا تحزني، فماذا ستفعلين بالفلوس؟

انتشرت أحزانها كالحمى في جسدها، لأن أقرب إخوتها إلى قلبها افترض أنها لن تتزوج ولن تنجب ولن تعيش حياة طبيعية أبدًا.

تلك الحوادث وغيرها مُسجلة باختزال، وبأسلوب تقريري:

اتصل الباشمهندس من القاهرة وقال إذا بعتِ الأرض سنتقاسم في الثمن.
جاء «عمارة» مؤاجر الأرض، من البلد وأعطاني الإيجار، 1238 جنيهًا.
مررت على محل التموين ومحل النظارات، فقد انكسرت نظارتي أمس، سابت المسامير ولم أستطع إصلاحها وقضيت الليلة مُتعبة وأعاني من الصداع.
سنسافر يوم الخميس القادم إلى العين السخنة لقضاء إجازة الصيف، برفقة العقيد فتحي.

أكثر ما حاز اهتمامها هو حفلات الزفاف والخطوبة، أو «المناسبات السعيدة» كما تُسميها. توقفت عند آخر هذه المناسبات طويلًا:

عاد إلى أرض الوطن المحاسب «أشرف محمود» ابن أخي في إجازة قصيرة. ستتم خطبته على الآنسة «ناهد الدماطي»، وسيعود بأمر الله إلى السعودية يوم 10 مارس.

قلّبت الصفحات، توقفت عند بعض الأخبار والصور وكروت المعايدة والأفراح وبرقيات التعزية، وقصاصات الجرائد الخاصة بالنعي الذي شاركت فيه العائلة. بحثت عن تلك المناسبات في أجندات السنوات الماضية، توقفت عند هذه التسجيلة منذ عام 1982:

في حفل بهيج أقيم في فندق شجرة الدر على الطريق السريع، عقد قران أخي النقيب «فتحي عبد المهيمن» على الآنسة «زينة عبد الهادي» من عائلة من تجار الموز في البحيرة، وقد حضر الحفل كبار رجال كفر الزيات والبحيرة.

في عام 1991 كتبت: «نُقل أخي فتحي إلى أسيوط. قرّرت توصيله إلى المحطة فرفض». بعد ذلك بعام كتبت: «دخل أخي مستشفى الشرطة بسبب إصابته في الساق بطلق ناري في مواجهات الشرطة مع الجماعات الإسلامية في أسيوط». في نفس العام ذكرت أنه منح وسامًا من وزارة الداخلية.

تذكرت أنها سجلّت شيئًا يوم عقد قران زينب صديقتها من أيام الكلية. حاولت تذكر اليوم. كان ذلك في عام 1986 ومدّت يدها إلى أجندة ذلك العام وفحصتها، ووجدت فعلًا ما سجّلته وقتها:

اليوم كنت في حفل عقد قران الآنسة «زينب الصاوي» على المهندس الزراعي «محسن وهبة» في قاعة نقابة الزراعيين في طنطا، وكان الحفل بسيطًا وحضره أقارب العروسين، فقط.

تتذكر تلك الليلة الصيفية التي لم تنم فيها لحظة واحدة، لأنها أصبحت وحيدة بعد زواج أعز صديقاتها.

(4)

تقلب الصفحات، وتتعرّف على شبح الحياة الماضية. الزمن خط مرسوم، ملوّن بلون أغلفة الأجندات. تعيش مرة أخرى تلك اللحظات التي سجّلتها، وتشعر بالرضا لأنها بَنَت خزانة لكل تلك السنوات، وحَمَت الحياة من التبدد.

هذه الأجندات كنزها. تُقلِّب أوراقها وتريد أن تبقى هناك في تلك اللحظات القديمة، كأنما لو خرجت خارج تلك المذكرات ستسقط في هوة بلا قرار.

كل ليلة يكفيها التقليب في تلك الأوراق واستعادة تلك اللحظات. الليل يتقدم، ينتظرها خلاء لا حدود له، خلف أغلفة الأجندات الملونة.

(انتهى)