إن الاهتمام بالحقل التاريخي هو اهتمام بفن الخبرة البشرية، والخبرة البشرية قد تظهر في تتالي الأحداث في منطقة ما، ومدى تعامل البشر معها من حروب وسلام ومعاهدات وتشييد للمدن والصناعات وما إلى ذلك. وتتجلى الخبرة البشرية في دراسة تاريخ الأدب والفنون والثقافة ومراحل الحكم، وتدخل الأسطورة ضمن أحد المكونات الأساسية لدراسة الخبرة البشرية الثقافية.

وإذا كان السؤال عن كيفية دراسة الأسطورة خاصة في المنطقة العربية، فوجب القول أن الدراسة تحتاج إلى بحث وتقصٍّ، ومع مصادر عدة حتى نستطيع أن نصنع خريطة واضحة للأسطورة العربية وتطورها، وهو أمر شاق لكنه في الحقيقة ممتع للغاية.

وفي دراستنا للمنطقة العربية أسطوريًا هذه؛ كان من المهم أن نلقي الضوء على الحضارات التي صنعت الأسطورة العربية في تَطْوَافٍ سريع لبيان أهم الأساطير الصانعة لفكر منطقة الأنبياء والأديان، حتى يتضح لنا التطور التاريخي الذي لحق بالأسطورة العربية في الحضارات الكبيرة ذات الأثر الواضح، وينبغي هنا أن نؤكد على فكرة الحضارات الكبيرة؛ لأن الكلام هنا ليس استقصاءً لكل الأساطير العربية، وإنما محاولة للوصول إلى فكرة تكوين الأسطورة وتكونها في الحضارات الكبيرة، والتي نقصد بها الحضارات ذات الأثر الواضح على المنطقة في التكوين الثقافي والديني والاجتماعي، وهو الدور المحتم على أي حضارة غير منغلقة بل تنفتح على آفاق عدة من خلال تبادل الثقافات الذي كان منتشرًا منذ العهد القديم عن طريق الأسفار والتجارات وحتى الحروب والهجرات، وهذا يجعل منطقة التحليل جذرية في تناولها ومحددة في «الحضارة المصرية القديمة وحضارة سومر وبابل وآشور والكنعانيين والآكاديين والأموريين والآراميين والعبرانيين ثم أهم الأساطير العربية التي سبقت الإسلام والتي ظهرت بعد ذلك وارتبطت بالإسلام».

من هنا يكون البدء، عبارة هامة يجب الالتفات إليها من أي موقع على الخريطة في منطقة شبه الجزيرة العربية ومصر يجب أن نبدأ، أعتقد أن المنهج التاريخي التحليلي الباطني [1] هو أفضل المناهج للترتيب التاريخي للأسطورة وتحليلها حتى نصل إلى مُبتغانا، ويقوم على تحليل مضمون الوثيقة وتحليل الظروف التي أُنتجت فيها الوثيقة لتصل إلى رسالتها التي تهدف إلى تقديمها، وعليه فدراسة كل وثيقة – الأساطير- ينبغي أن تبدأ بتحليل مضمونها لغير غاية إلا لتحديد فكرة المؤلف الحقيقية، ولأن المؤلف هنا غير معروف بل هو اجتماع بشري على فكرة عجائبية تقص لنا أنباء زمن مضى، فالعملية أصعب في التحليل لأنك لا تحلل ظروفًا شخصية أنتجت الوثيقة؛ بل ظروفَ مجتمعاتٍ وفترة تاريخية هي التي أنتجت لنا هذه الوثيقة، الأمر إذن أشبه بتحليل العقل الجمعي للمنطقة.

بالطبع الأمر يدخل بشكل أو بآخر في منطقة التكهنات لأن تحليل الوثيقة الأسطورية قائم على ترجمات من لغات أخرى أو لهجات أخرى غير العربية، مما يخضع النص لهوى المؤلف/الجماعة أو تصوراتها السياقية أحيانًا التي تعمل على إحلال الرمز مكان الواقعي والخيالي مكان الحقيقي حتى تضمن للوثيقة الاستمرار وتقبل الآخر لها، أو نجد مشكلة في التعامل مع اللغة الأصل التي كتبت بها الأسطورة، خاصة أن الترجمة قد تعتمد على تجميل النص الأسطوري ووضعه في قالب فني معين مثل محاولة تجميع أغلب الأساطير العربية على شكل فني يقترب من الشعر كما حدث مع قاسم الشواف في مجموعته «ديوان الأساطير»[2] وهو الكتاب الذي تم بإشراف الشاعر والمفكر أدونيس، يقول قاسم في مقدمة الجزء الأول:

وقد مكنتنا نظرة إجمالية لمجموعة النصوص المعنية أن نكتشف الأفكار العامة التي تسمح بإدراجها في كتب يحمل كلٌّ منها عنوانًا عامًا يربط بين النصوص التي يحتويها ويسوغ مقاربتها

ولعل هذا يرتبط بالبحث الأركيولوجي والأنثروبولوجي لعلم الأساطير؛ إلا أن التعامل مع الأسطورة هو تعامل مع ثقافة طريقة قراءة الأسطورة العربية كما وضح الباحث شتيوي الغيثي [3] في مقالة له بعنوان «إعادة بناء الأسطورة العربية» أن هذه الحكايات، وإن كانت تحمل في مضامينها الرمزيةَ البسيطةَ؛ إلا أنها تؤسس إلى ثقافةِ قراءةِ الأسطورةِ أو الحكايةِ وإعادةِ بنائها وفق الأسس الجديدة في علم الأنثربولوجيا، مع أن مثل هذه الحكايات لا يمكن أن تصل إلى مفهوم الأسطورة بمحدداتها الحديثة، حيث إن الأسطورة تسعى إلى إيجاد رموز أو أحداث تهدف إلى تفسير الحياة والوجود الإنساني ونظرته الفيزيقية والميتافيزيقية. أو بالأصح فإن الأسطورة تضطلع في المجتمعات البدائية بوظيفة ضرورية وهي «التعبير عن المعتقدات» كما هو رأي (مالينفسكي)، ومن هنا تصبح الغاية في قراءة الأسطورة هي البحث عن معنى المنظومات التكوينية للظاهرة الاجتماعية كما هو لدى ليفي ستروس، من خلال الكشف عن الرموز التعبيرية للشخوص أو الأحداث الأسطورية والطقوسية أيضًا، وعلى حد قول بول ريكور، فإن «الأسطورة تثبت الأعمال الطقوسية ذات الدلالة وتخبرنا عندما يتلاشى بُعدها التفسيري بما لها من مغزى استكشافي وتتجلى من خلال وظيفتها الرمزية أي فيما لها من قدرة على الكشف عن صلة الإنسان بمقدساته».

إذن نحن في محاولتنا هذه سنحاول قراءة النصوص أو الوثائق الأسطورية للبحث عن المفهوم الطقسي والاجتماعي المنعكس عن شكل المجتمع وتركيبته الثقافية في جدلية نهدف بها إلى محاولة الخروج بالخطوط العامة للفكر العربي العام على أساس التحليل الباطني الذي أوضحناه من قبل.


[1] بول ماس: نقد النص. في: المنهج التاريخي، عبد الرحمن بدوى، وكالة المطبوعات الطبعة الرابعة.[2] ديوان الأساطير، نقله إلى العربية وعلق عليه: قاسم الشواف، دار الساقي.[3] شتيوي الغيثي، إعادة بناء الأسطورة العربية، جريدة الوطن، العدد 2772.