أخيرًا وبعد طول تأخير، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القيام بجولة خارجية، ولكن على غير عادة أسلافه الذين كانوا يبدأون جولاتهم الخارجية في لندن وتورنتو وباريس، فإن رجل الأعمال المثير للجدل اختار أن يبدأ جولته من الشرق الأوسط ومن المملكة العربية السعودية، ما يعطي انطباعًا عن توجهات السياسات «الترامبية» في الفترة القادمة، والتي تعيد الاعتبار للعلاقات مع دول الخليج العربي، التي تدهورت في عهد سلفه الديمقراطي باراك أوباما، الذي قرر الانسحاب من الشرق الأوسط لصالح الانخراط بشكل أكبر في بحر الصين الجنوبي وآسيا الوسطى.

المملكة العربية سوف تستفيد من وجود ترامب على أراضيها، لأجل أن تعقد ثلاث قمم يحضرها الرئيس الأمريكي، أولها قمة سعودية أمريكية مغلقة بين الملك سلمان ودونالد ترامب، يتخللها توقيع على اتفاقات وتفاهمات سرية، ثم قمة خليجية تجمع ترامب مع قادة دول الخليج العربي، وسوف تدور القمة حول بحث آلية تأمين الخليج العربي من الخطر الإيراني، ثم أخيرًا سوف تكون هناك قمة أمريكية مع زعماء الدول العربية والإسلامية، إذ من المقرر أن يلقي ترامب خطابًا إلى العالم الإسلامي داعيًا إياه للتعاون ضد الراديكالية التي تمثلها تنظيمات داعش والقاعدة وميلشيات إيران، حسب ما صرح مستشار ترامب لشئون الأمن القومي ماكماستر.


العلاقات السعودية الأمريكية: القصة كاملة

روزفلت، عبدالعزيز بن سعود
لقاء الملك المؤسس، عبدالعزيز بن سعود والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، على متن طراد حربي «CA-71»، ونتج عن اللقاء اتفاق كوينسي الشهير (14 فبراير/شباط 1945)

في العام 1945م التقى الرئيس الأمريكي (الديمقراطي) فرانكلين روزفلت الملك المؤسس، في وقت كانت الحرب العالمية الثانية تضع فيه أوزارها، على متن المدمرة الأمريكية كوينسي، وكان الرئيس الأمريكي عائدًا من قمة يالطا، حيث كان قد اتفق مع حلفائه السوفييت والأوروبيين على تقسيم الغنائم بعد نهاية الحرب العالمية.

وعلى متن تلك المدمرة اتفق روزفلت مع الملك عبدالعزيز على أن المملكة العربية السعودية سوف توفر احتياجات الطاقة للولايات المتحدة الأمريكية لمدة 60 عامًا، وتمنح احتكار النفط شركة أرامكو الأمريكية، مقابل أن توفر الولايات المتحدة الحماية غير المشروطة للسعودية وتدعم قيادتها للعالم الإسلامي وألا تتدخل في شئونها الداخلية أبدًا، واستمرت هذه الاتفاقية إلى عام 2005م عندما جاء الرئيس الأمريكي جورج بوش، وقام بتجديدها إلى 60 عامًا أخرى.

لكن متغيرات حدثت على الساحة الدولية والإقليمية، فقد فاز برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية الرئيس باراك أوباما الذي لم يكن راضيًا تمامًا عن هذه الاتفاقية على ما يبدو، ولذلك فإنه عمل على نقضها في فترته بشكل أو بآخر، فلم يحترم مخاوف المملكة العربية السعودية من الربيع العربي، وسمح بإسقاط مبارك وبن علي والقذافي، ولم يتحرك ضد التهديدات الإيرانية للمملكة العربية السعودية في سوريا واليمن، بل اختار التحالف مع إيران (عدو المملكة السياسي) وحاول نقل قيادة العالم الإسلامي من السعودية مرة عبر تركيا (حين خاطب المسلمين منها)، ومرة في مصر (حين ألقى خطابه في جامعة القاهرة).

وأخيرًا خطاباته الغزلية مع إيران الموثقة بالصوت والصورة وتوجيهه نقدًا كبيرًا للمملكة من خلال حواراته الشهيرة التي نشرت قبل عام بعنوان (عقيدة أوباما)، حيث زعم أن إيران لا تشكل تهديدًا على المملكة، وأن الخطر الحقيقي على السعودية هو في شعبها، وأن عليها القبول بالشراكة مع إيران في الشرق الأوسط بدلًا من الاعتماد على القوة الأمريكية في ضرب إيران، وتخلى عن أصدقاء السعودية في سوريا، وامتنع عن توجيه ضربة تأديبية ضرورية لبشار الأسد.

كل هذه الأمور دفعت العلاقات السعودية الأمريكية إلى التوتر، خصوصًا مع إعلان أوباما انسحابه من الشرق الأوسط إلى بحر الصين الجنوبي، بعد أن حازت أمريكا على النفط الصخري، ولم تُعد بحاجة إلى نفط المملكة العربية السعودية، وأصبحت في حل من اتفاقية المدمرة كوينسي، التي عُقدت في 1945م.


هذا ما يريده ترامب

أثناء لقاء الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» ولي ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان»

من الناحية الاقتصادية

يتميز الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب بقدر عالٍ من الصراحة، التي تشبه الوقاحة، والتي لم يكن يتمتع بها سابقوه من الرؤساء الأمريكيين، الذين كانوا يتعاملون بحذر مع السعوديين ويسعون دائما إلى استرضائهم -وفيهم أوباما- ففي أثناء حملته الانتخابية أعلن ترامب أن المملكة العربية السعودية ما هي إلا بقرة حلوب متى ما جف لبنها فسيقوم الأمريكيون بذبحها، وأعلن أنه لن يتعامل مع السعوديين في أي شيء ما لم يقوموا بدفع أموال واستثمارات في أمريكا، وأعلن عندما كان مرشحًا عن نيته وقف شراء النفط من السعودية ما لم تقم بإرسال قوات برية لقتال داعش.

وبعد أن فاز ترامب بالرئاسة اتجه إلى تنفيذ وعوده عبر اتفاق ولي ولي العهد السعودي وصهر ترامب جاريد كوشنر على ضخ استثمارات سعودية في شرايين الاقتصاد الأمريكي تبلغ 40 مليار دولار، بالإضافة إلى عقد صفقات سلاح بمليارات الدولارات، وهذه الصفقات قادرة على خلق آلاف الوظائف التي يحتاجها ترامب ليُقنع الشعب الأمريكي بخطته ومشروعه الاقتصادي، ويُتوقع أن يرتفع إنفاق السعودية في أمريكا حتى يصل 300 مليار دولار من أجل تقوية أنظمتها الدفاعية أمام الترسانة الإيرانية.

وقد أعلنت وكالة بلومبيرغ الاقتصادية في أحدث تقاريرها عن تخطيط أرامكو السعودية لتوقيع ما لا يقل عن عشر اتفاقيات مع مجموعة من الشركات الأمريكية، لتحصل أرامكو على 70% من معداتها من داخل مصانع هذه الشركات، التي سوف تُبنى في المملكة العربية السعودية بحلول العام 2021م.

من الناحية السياسية

فإن الرئيس الأمريكي يريد إنشاء مشروع ناتو عربي سني يتضمن دولة إسرائيل، مهمته مواجهة المخاطر الإيرانية، وحسب ما سربت صحف أمريكية فإن مشروع هذا الناتو سيتكون من السعودية ومصر والإمارات والأردن ودول أخرى بالإضافة إلى إسرائيل، التي سيكون لها دور استخباراتي لدعم هذا التحالف.

ومن أجل قيام هذا الحلف تدخل الرئيس الأمريكي ليقنع السعوديين بالتصالح مع السيسي وقبول اعتذاره، وقام بإغراء مصر بأن موافقتها على التحالف يعني اعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية.

من ناحية أخرى فإن الرئيس الأمريكي ترامب يرغب في تصفية القضية الفلسطينية بوضع حل عاجل وليس عادلًا للقضية، توافق فيه السلطة الفلسطينية على حل الدولتين وعلى يهودية إسرائيل والمستوطنات في الضفة الغربية مقابل أن يتم تعويض الفلسطينيين بأراضٍ إسرائيلية أخرى سيسمح بنقل اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في مخيمات الشتات فيها، وهذا الأمر يتطلب موافقة المملكة االعربية السعودية صاحبة المبادرة العربية الوحيدة للسلام، والتي تتضمن انسحابًا إسرائيليًّا كاملًا من أراضي 1967م وقيام دولة فلسطينية عليها مقابل التطبيع مع إسرائيل.


وهذا ما تريده المملكة من ترامب

محمد بن سلمان، دونالد ترامب
محمد بن سلمان، دونالد ترامب

مع أن السعودية سوف تضطر للإنفاق على ترامب إنفاقًا كثيفًا، فإن هذا كله يهون أمام الأخطار الوجودية التي تواجهها المملكة على يد إيران وميلشياتها، فنظام ولاية الفقيه الإيراني استطاع فرض طوق حديدي على السعودية من العراق وسوريا والبحرين واليمن، وحتى بعض حركات المقاومة الفلسطينية، وهذا الطوق يهدف إلى التهام المملكة العربية السعودية، ومع أن السعودية بمجهوداتها الذاتية استطاعت إفشال المخطط الإيراني في البحرين قبل خمسة أعوام، وإفشال المخطط الإيراني في اليمن قبل عامين، فإن الخطر الإيراني أصبح يتجاوز مقدرات السعودية، خصوصًا بعد أن ظهر تواطؤ لقوى عظمى مثل روسيا مع مشروع إيران المذهبي، لدرجة تجنيد سلاح الطيران الروسي لعمل غطاء جوي لميلشيات إيران المذهبية في سوريا، ثم تهديدات روسيا المتكررة بالتدخل في اليمن من أجل عيون ميلشيات الحوثيين.

السعودية تحتاج إلى قوى عظمى قادرة على مواجهة الإرهاب الإيراني المختبئ خلف الدب الروسي، وأمريكا هي القوة العظمى الوحيدة القادرة على إخافة روسيا وإيران وإبعاد الخطر الإيراني عن الأراضي السعودية، خصوصًا أن الاتحاد الأوروبي حليف المملكة العربية السعودية يعاني من تفكك وأزمات حادة وعميقة، فروسيا تهدده بالشرق، والإرهابيون يهددونه بالداخل، وهناك صعود متزايد لأحزاب اليمين القومي، التي تميل للعزلة وتُعادي العرب والأجانب وتكره العولمة.

السعوديون يحتاجون للحماية من ترامب فورًا، لأنهم يدركون أكثر من أي وقت مضى أن السكين الإيرانية أصبح على رقابهم، ولا شيء سوف يخلصهم من التهديدات الإيرانية سوى وقفة أمريكية حازمة تدفع بإيران للعودة إلى حدودها، وذلك بوضع حلول أمريكية للكابوس السوري والمأزق اليمني، تضمن طرد أدوات إيران من هذه البلاد.