نجحت الأجهزة الأمنية المصرية في القضاء على 99% من «الإرهاب» على مستوى الجمهورية.

هكذا صرّح وزير الداخلية المصري السابق «محمد إبراهيم» في سبتمبر/أيلول 2014، ومنذ ذلك الحين، شهدت مصر سلسلة طويلة من التفجيرات والعمليات الإرهابية، التي أسفرت عن مئات الضحايا؛ مما يوحي بأن البؤر الإرهابية النشطة داخل مصر تتخطى نسبة الـ 1%.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2015، فشلت الشرطة المصرية في التعامل مع حادثة سقوط الطائرة الروسية «متروجت»، والتي انطلقت من مطار شرم الشيخ، وسقطت نتيجة عبوة متفجرة نجح أحد الركاب في حملها والتسلل بها إلى الطائرة.

وفي 11 ديسمبر/كانون الأول 2016، لقي 25 مصريًا مصرعهم نتيجة تفجير قنبلة داخل الكنيسة البطرسية الملاصقة للكاتدرائية المرقسية بالعباسية، بعد فشل الأجهزة الأمنية أيضًا في الكشف عن هذه القنبلة قبل دخولها إلى ساحة الكنيسة.

وسرعان ما أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 12 ديسمبر/كانون الأول 2016، عن نجاح الأجهزة الأمنية في الكشف عن مُنفِذ الحادث، وهو «محمود شفيق محمد مصطفى».

وبدلاً من أن يكون هذا الإعلان دليلاً على نجاعة الأجهزة الأمنية في التعامل مع الحادث، جاء تضارب المعلومات ليشير إلى قصورٍ جديد في المنظومة، ويحمل شبهة «التلفيق»، مثلما حدث في حادثة كنيسة القديسين منذ ستة أعوام.

وعلى ذلك، يمكن القول إنه في ظل تعدد حوادث التفجير التي تشهدها الأراضي المصرية منذ 30 يونيو/حزيران، وفي إطار مشهد سياسي مُعقد، فشلت الشرطة المصرية في التعامل مع هذه الحوادث، سواء في منعها بالأساس، أو تقليل حجم الخسائر، أو الكشف عن الجناة الحقيقيين، فلماذا؟.


عقيدة الفشل

نقطة الانطلاق الحقيقية للكشف عن أسباب قصور المنظومة الأمنية في مصر، هي البحث في تحولات عقيدتها، وهي التحولات التي يمكن رصدها في النقاط التالية:

1. كان اغتيال الرئيس السادات عام 1981 سببًا مباشرًا في تطوير ودعم جهاز الشرطة في مصر، في إطار المساعي لعدم استخدام الجيش في التصدي للأحداث والاضطرابات الداخلية. هذا التوجه جعل من وزارة الداخلية عاملاً أساسيًا في حكم البلاد على جميع المستويات.

2. تتبنى الشرطة المصرية عقيدة سياسية بالأساس، وهي الموالاة والانتماء للنظام السياسي الحاكم، القادر على الحفاظ على المكانة المجتمعية للمنتمين لهذا الجهاز، وهو ما صرفها عن بذل المزيد من الجهد للقيام بوظائفها الأمنية الأصيلة، والتي تتعقد في ظل تنامي المخاطر الأمنية، وصعود الجماعات الإرهابية.

3. تعكس سلوكيات الأجهزة الأمنية المصرية زيف النموذج الديموقراطي الشكلي الذي يدّعي النظام وجوده، فبعد خمس سنوات على ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، ما زالت تُصر على استدعاء الصورة الذهنية المشوهة في الوعي الجمعي المصري. فعمليات التعذيب المُمنهج ما زالت تتم داخل أقسام الشرطة، وسط تراخٍ من قمة الهرم السياسي عن محاسبة المذنبين. ناهيك عن عمليات التوقيف التي تتم دون إذن قضائي، مع توسيع دوائر الاشتباه، وغياب الحد الفاصل بين ما هو سلوك سياسي وغير سياسي، ليتحول عنف الشرطة وانتهاكاتها إلى أفعال ممنهجة، فأصحبت الشرطة ومكوناتها البشرية والفنية ذراعًا أمنية للنظام السياسي.

4. فقدت الشرطة المصرية قدرتها على الأداء الفعّال في مواجهة العمليات الإرهابية، أو بتعبير يزيد صايغ «البطء المأساوي في الاستجابة للتهديدات الإرهابية»، سواءً في سيناء أو حتى في قلب العاصمة، رغم الانتشار الأمني المكثف في الشارع المصري عامة.


عنصر بشري غير مُؤهل

بعد وصول خبير المفرقعات إلى الموقع الذي عُثر فيه على القنبلة، قامت القيادات الأمنية بتحيته، ثم شرع في عمله سريعًا، دون أن يحمل أجهزة خاصة، أو يرتدي الزي المناسب، بل والتفّت حوله الكاميرات والقيادات الأمنية، في انتظار الإعلان عن تفكيك القنبلة، وبعد لحظات انفجرت القنبلة في جميع الحاضرين.

لم يكن هذا مشهدًا في فيلم كوميدي، بل كان واقعة حقيقية احتضنتها مصر في يونيو/حزيران 2014، حين تم العثور على جسم غريب في محيط قصر الاتحادية، لتكون شاهدةً على حال وكفاءة العنصر البشري الأمني في مصر.

يتسم العنصر البشري في جهاز الشرطة المصرية بضعف الكفاءة؛ الأمر الذي يعود إلى خلل منظومة اختيار هذه العناصر، وعدم كفاءة المنظومة التدريبية كذلك.

فالجنود، الذين يتم تجنيدهم إجباريًا، يُعانون من منظومة تدريبية قاسية، لا تنتج سوى عناصر غير قادرة على مواجهة التحديات الاعتيادية التي تواجهها الأجهزة الأمنية حول العالم.

ففي مطلع العام الحالي 2016، أجرت «بي بي سي» عربي تحقيقًا استقصائيًا يكشف عن انتهاكات بالغة وحوادث قتل مزعومة لأفراد قوات الأمن المركزي المصرية. تناول التحقيق 13 حالة وفاة لمجندي الأمن المركزي في الفترة من 2008 إلى 2015، والتي أعلنت السلطات 10 منها على أنها حالات انتحار، وتم التستر على الأسباب الحقيقية لها من قبل المسئولين.

وأوضح التقرير أن المجندين يعيشون في جحيم ويعاملون كالعبيد، وأفادت شهادات ممن شملهم التحقيق أن الانتهاكات تتنوع بين الضرب والإهانة وأحيانًا القتل، إضافة إلى ذلك، وجد التحقيق أدلةً تشير إلى تستر منهجي على هذه الانتهاكات.

ومن جهة أخرى، كان استحداث وظيفة «أمين الشرطة» من قبل وزير الداخلية «شعراوي جمعة»، عندما قرر إنشاء معهد أمناء للشرطة عام 1967، إيذانًا بميلاد واحد من أبرز مكامن الفساد في المنظومة الشرطية.

حيث أن أمناء الشرطة، الذين يصل الحد الأدنى لرواتبهم إلى 2500 جنيه شهريًا، أصبحوا من أحد مراكز القوى في المجتمع المصري، وصاروا رمزًا للظلم والتبجح، وهو ما يتجلى يوميًا في حالات الفساد التي يتم الكشف عنها، وكذلك حالات التعذيب والقتل العمد التي يرتكبونها تحت طائلة القانون.


منظومة بدائية قاصرة

انخرطت الشرطة المصرية بعد 30 يونيو/حزيران في طلب المزيد من أجهزة الكشف عن المتفجرات؛ لمواكبة الأجواء المضطربة أمنيًا.

حيث كشفت شركة «مورفو مصر» المتخصصة في تصنيع أجهزة كشف الهوية والكشف عن المفرقعات والمخدرات، في نهاية عام 2013، أن الطلب على أجهزة التأمين تزايد من بعد 30 يونيو بنحو 200% نتيجة الاضطرابات الأمنية.

ولكن، يبدو أن هذا الطلب الضخم على أجهزة كشف المتفجرات لم يؤثر بشكل فعّال في مواجهة التهديدات الأمنية، خاصة في قلب العاصمة.

فما زالت الشرطة المصرية تعتمد بشكل كبير على الطرق البدائية في الكشف عن المتفجرات والمخدرات، من خلال استخدام الكلاب البوليسية المُدربة.

وهو سلاح مستقل تمامًا داخل جهاز الشرطة المصري، تأسس عام 1932 على يد اليوزباشي السعيد عزيز الألفي. وتُعد الإدارة العامة لتدريب كلاب الأمن والحراسة واحدة من ضمن خمسة كيانات بأكاديمية الشرطة، وتؤدي الكلاب عدة مهام ضمنها مكافحة المخدرات واكتشاف المفرقعات والمتفجرات وإنقاذ المواطنين تحت الأنقاض والتأمين والحراسة واقتفاء الأثر.

ومصر لديها نحو 26 وحدة من كلاب الأمن والحراسة على مستوى الجمهورية، تؤمّن جميع المحافظات والأحداث المهمة والمناسبات والأعياد ومأموريات الضبط وغيرها، وذلك بإجمالي 1132 كلبًا مختلفة الأنواع، يشرف عليها جميعًا 65 ضابطًا و1000 فرد و300 مجند.

ولكن، تم الكشف مؤخرًا أن أكثر من 65% من الكلاب البوليسية المدربة خصيصًا لكي تستخدم في مجال كشف المفرقعات والعبوات الناسفة أصبحت قدرتها أقل من النصف في العمل، بل إن عددًا منها انعدمت لديه القدرة على الكشف عن المفرقعات تمامًا.


أجهزة غير صالحة

على صعيد آخر، دفعت حادثة الطائرة الروسية الصحافة العالمية للبحث أكثر حول كفاءة أجهزة كشف المتفجرات التي تستخدمها الشرطة المصرية.

حيث خرجت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية بتقرير تحدثت فيه عن أن الأجهزة المستخدمة في مصر للكشف عن القنابل مزيفة. وقد استند إلى أن رجال أمن أحد الفنادق في منتجع مُطل على البحر الأحمر شوهدوا وهم يحملون بأيديهم أجهزة تشبه منتجًا مزيفًا آخر انتشر حول العالم من صنع زوجين بريطانيين كانت السلطات البريطانية قد ألقت بهما في السجن.

بينما ذكر تقرير آخر لصحيفة «الصن» البريطانية أن الأجهزة المستخدمة لكشف القنابل في شرم الشيخ «عديمة الجدوى»، بحسب ما نقلت عن خبراء مختصين في المجال. فغالبًا ما يحمل حراس الأمن الذي يحرسون الفنادق، بما في ذلك المناطق الدبلوماسية، أجهزة مزيفة لا تحتوي على أي بطاريات أو أضواء تحذيرية، كما أنها كانت خفيفة جدًا، على عكس الأجهزة الحقيقية للكشف عن المتفجرات.

كما ألقت وكالة «أسوشيتد برس» الضوء على قصور منظومة التأمين لدى الشرطة المصرية بوجه عام، إذ غالبًا ما تتعطل أجهزة الكشف بالأشعة السينية، أو يتم إطفاؤها لتقنين الكهرباء.

فشل الشرطة في التعامل مع حادث الكنيسة البطرسية وغيره من التفجيرات كان نتاج عقود طويلة من التحول الذي انحرف بالمنظومة الأمنية المصرية بعيدًا عن مهامها الرئيسية، وحوّلها إلى جهاز سياسي بامتياز.