ما من لحظة تمرّ علينا إلاّ ونشهد أحداثًا جسامًا في مجتمعنا العربي الكبير، هنا تفجير، وهنا اغتيال، وهنا تعذيب، وهناك هدم وتدمير، لا يمرّ وقت قصيرٌ دون حدث لا يمكن لعاقل تغافله أو اجتناب الاهتمام به، ومهما ضرب الإنسان صفحًا عن الانشغال بما يحدث، تلاحقه الحوادث أينما كان، وتشغله لأنها تمس أمنه وحياته ومستقبل أبنائه.

أول ما يقابلنا من تصاريح وبيانات، الشجب والتنديد، وإعلان البراءة من الانتماء إلى أفكار من يهدم الإنسان ويشوّه ما تبقى من آدميته، وتكثر المناقشات حول ما إذا كان أرباب هذا الفكر ينهلون من (تراث الإسلام) ويعتمدون على (أصوله) من القرآن أو السّنة، أو كانوا أصحاب فهم خاطئ وضمير ميّت وولاء لكل ما هو بعيد عن الإنسانية وقيمها، وبالطبع يتجدد النقاش كل لحظة، فنحن منتجون أكثر في (عالم الكلام) ومحط أنظار الجميع نظرًا لما نحدثه اليوم ونبرع فيه ولا يبزّنا أحد فيما نقدّم.

هل نحتاج بالفعل إلى (تجديد لخطابنا الديني)؟ وهل حينما نكتب في التصوف ونختار جانبًا معينًا نتغافل وننصرف عما يدور حولنا ونسكّن الجراح والآلام لحظات، ونخدّر الناس بإبراز وجه جمالي وإخفاء وجه (بشع) يلاحقنا رغمًا عنّا ويعلن عن نفسه حتى إن صمتنا أو أكثرنا من استخدام مصطلحات (القلوب، والعشق، والجمال، واللطف، والخيرية)؟

ما أراه أن فكرة “تجديد الخطاب الديني” التي لا تقل في الاهتمام بها عما نعيشه من أحداث أصبحت لُعبة في يد العجزة وأهل السلطة وأهل الإعلام والمنتسبين زورًا إلى الفكر والثقافة والعلم، فكل ترقيع أو تجديد لا يدرك فيه المشتغل به ما تأصل في الأذهان، ولا يلتفت إلى الواقع ويشارك فيه، لا يعوّل عليه، وإن صمد لحظة تبدد بعد لحظات، فالبعض (يُكلّف) بالتجديد وكأننا في سوق هذا لا بد أن يبيع تمرًا وهذا لا بد أن يأتي بالعنب، وبالطبع يعقب (التكليف) بذل وعطاء غالبًا ما يكون إدانة لفكر ما واستخفاف بأعلام معينين لا ينبغي الاستخفاف بهم ونحن نعيش مع كثيرين يؤمنون ويعتقدون في أقوالهم ولن يتزحزحوا عن إيمانهم قيد أنملة بشتم ما يدينون لهم بالتبجيل والتعظيم. وفضلاً عن ذلك نجد بعض المشتغلين (صورة) بالتجديد من أهل (الفكر) أو من (علماء الدين) غير مطالعين بشكل جيّد لتراث هؤلاء الأعلام، فما لديهم من معارف لا يؤهلهم لإبداء رأي، ناهيك عن نقد وبناء جديد.

ما نؤمن به منذ وقت بعيد أن الانشغال بالآخرين انشغال عن الذّات وغياب يؤدي إلى زيادة الأمراض المجتمعية ويساعد الأموات لا الأحياء، فما الفائدة المرتجاة من انشغال السلفي بالصوفي والصوفي بالسلفي؟ وما الفائدة من القتال حول جلوس الله على عرشه بهيئة معينة أو أن يده تعبّر عن القدرة أو أن ساقه ساق حقيقية أو أن التوسّل جائز أو مكروه أو أن الله معطٍ والنبيّ قاسم أو أن الكرامات مستمرة أو أن الذكر الجماعي بدعة أو مباح؟! ما الفائدة في الانشغال بما إذا ما كان فكر العنف يعود إلى ابن حنبل أو ابن القيم أو ابن تيمية أو ابن عبد الوهاب؟ ويتقاتل هؤلاء وأولاء في استخراج نصوص تدين أو تؤيد من تراث هذا العالم أو ذاك! هل هذا يساهم في تغيير الأوضاع؟ هل أنتج هؤلاء (العرب) الكرام ما غيّر واقعهم؟ أم ظلّوا في ائرة (الكلام) يتصارعون والعالم يتشكّل كما هو (مكتوب) لهم أو عليهم؟

حينما يشتغل الأعجمي بتراث الإسلام يخرج لنا من حدائقه ما نعجز نحن المؤمنين عن استخراجه، فـابن تيمية الذي يُسب ويشتم من الصّوفية ومن أهل الإعلام اليوم صورته في دراسات الأعاجم غير هذه الصورة التي نرى ومن يطالع من كتابات المنتسبين إلى الإسلام أو العروبة من الدارسين في الخارج سيرى مصداق ذلك، نذكر على سبيل المثال هنا ما كتبه جورج مقدسي وما كتبه فضل الرحمان، على أن هذه الصورة تختلف عن تناول (السلفي) المعاصر لابن تيمية كما يختلف تقديم أبي يعرب المروزقي له عن تقديم مشايخ السلفية اليوم.

إن عنوانا كـ(تصوّف الحنابلة) يبدو مثيرًا للاستغراب والدهشة عند غير المتخصصين في هذا اللون من الدراسات، ويبدو مضحكًا عند من يتابع الإعلام ويعتنق ما يبث إليه من أفكار، لكنه عنوان على دراسات أنجزت ولا تزال من قبل المدققين والمحققين في (تراثنا الإسلامي) سواء من انتسبوا إليه أم رأوا فيه حقلاً بكرًا لم يدرس بعد، عرف الحنابلة التصوف وكانوا صوفية، بل وآزروا شخصيات ودعموهم ووقفوا ضد الحاكم معهم، ومن يتابع مسيرة الحلاّج وإدانته وصلبه كما حققها ماسنيون يعرف ذلك.

كتب الحنابلة في التّصوف رسائل وكتب، ورغم تحقيقها وطبعها في الدوريات والمجلات لا يطالعها العرب، ويكتفي المتبني للفكر الصوفي أو المتابع للتصوف الطّرقي بالتقاط أخبار من كتب التراجم والطبقات والتاريخ عن فلان من الحنابلة الذي تبرّك أو توسّل أو أثبت الكرامات للأولياء أو قال بيتًا من الشعر توافق مع أحد الصوفية من الأشاعرة أو أثر عنه التردد على مجالس فلان من مشايخ التصوف والاعتراف بفضله. أما المطالعة الحقيقية والتحقق من (تراثنا) المطوي والمخفي بأيدينا فهو عزيز ونادر.

للشيعة اليوم جهد مشكور في تحقيق مثل هذه الأعمال، لكن الشيعة عندنا مهما برعوا في علم أو قدّموا من معارف فهم محلّ للشك والإدانة ولا ينظر إليهم من عموم المسلمين إلا نظرة دونية لا تليق بمسلم يصدّر رسالته بـ(أوتيت مكارم الأخلاق) أو (ليس المؤمن سبّابًا أو لعّانا) فضلا عن تصدر هذه النظرة من إنسان هذا العصر، فهل طالع المشتغلون بالتصوف أعمال (الشيعة) في تحقيق هذا التراث ودرسه؟ وهل يستفيد الصوفي الطرقي من هذا الإنتاج؟ أم يظل متابعًا لمسائل التصوف التي ورثها مع طريقته ويورثها مشايخه حتى اليوم؟

حينما نكتب عن التصوف اليوم ونخصص له ركنًا -يستحق أفضل منه- لا ننشغل بالتمييز بين (السلفية والصوفية والشيعة وغيرها) ولكننا ننشغل بالمعرفة ونبتعد عن التحيز والعصبية والعنصرية التي قتلتنا وأنهكت الصغير والكبير، ولوّثت كافة الأجواء من حولنا. انشغالنا بهذا اللون المعرفي يأتي من خلال متابعتنا لما يكتب عنه أو يقدّم من مواد مُعتمدًا على بعض أفكاره، أو مستغلاً لمفاهيمه في الأحداث الجارية!

نكتب عن التصوف لأن التصوف ليس خنوعًا كما نراه وتبعية للحكام وتأمينًا على أفعالهم وحضًّا لهم على الاستبداد وسفك دماء البشر ظالمين أو مظلومين، دون نظر لحرمة الدماء أيًّا كانت، ودون اعتبار لما تقوله أصول الدين!

نكتب عن التصوّف لأنه ليس انمحاء للأنا وإفناء لها على أعتاب شيخ أو قديس تظهر من عباءته روائح عبادة الدنيا بكل ما فيها من متع مادية ومعنوية، ولا يقدّم لأتباعه إلا حديث الجواز والكراهة واشتقاق الكلمة من مصدر ثابت لا حركة له ولا فعل!

نكتب عن التصوف لأنه لا يتلخّص في مسبحة تدور حول العنق أو تزيّن اليد أو تعلق على الحائط، التفاتنا إلى الحصى والحبّات حجب عنا الالتفات إلى ما في الكون من آيات وأعظم آية يغيب عنها المتزيّن بالصورة (ذاته) و(ذوات) الآخرين التي أنهكتها التبعية ودمّرها التقليد دون إعلان ولو لمرة عما تريده هي.

نكتب عن التصوف لأنه مبني على السفر من الله في الله إلى الله، ويستمد رؤاه الجمالية منه، وسعته منه، واحتماله لكافة الخلائق على اختلافها منه، ولأنه لا يغلق لأحد بابًا مهما كان ما يحمله ويعتقده من آراء، ففيه: “إنك كادح إلى ربكّ كدحًا فملاقيه“، وفيه من سعة “لنهدينهم سُبلنا” و“ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها”.

نكتب عن التصوف ليس من باب عبادة الأجداد، أو إعادة تمجيد تصوف التاريخ وإحياء مشاكله كما هي بحرفية مفرطة فنمجّد (الإحياء) وندين (المصلوبين) وننسج على منوال (حِكم ابن عطاء) ونتصارع في شرح (الشروح) ونقد (الشطّاحين) القدماء، إننا لم نعد نشهد تصوفًا كما شهد السابقون حتى ندين الشطح، الأولى بالنقد ما نراه (تصوف) وما نعاينه من أفعال المنتسبين إلى التصوف.

نكتب عن التصوف لأنه المساحة الباقية التي تفتح لنا بابًا على ما لا ينتهي ولا يميت.


اقرأ المزيد:

تجديد الخطاب الديني.. مشروع لا يمكن إنجازه

تجديد الخطاب الديني بين الحتمية والفوضوية